قوله صلى اللّه عليه وآله وسلّم : « إن المدينة كالكير تنفي خبثها ، وينصع طيبها » « 1 » .
وقوله صلى اللّه عليه وآله وسلّم : « إن الإسلام ليأرز إلى المدينة كما تأرز الحية إلى جحرها » « 2 » .
وقد ردّ العلماء هذه الاستدلالات بكلام طويل وكثير خلاصته أن ادعاءهم بأن المدينة جمعت أهل الحل والعقد فلم يثبت ذلك لا في زمن الصحابة ولا في غيره بل إن الفقهاء منذ زمن الصحابة فما بعده متفرقون في الأمصار .
أما قولهم : يدل اتفاق أهل المدينة على قول أو عمل أنهم استندوا إلى سماع قاطع ، فإن الوحي الناسخ نزل فيهم ، فلا تشذّ عنهم مدارك الشريعة ، فهذا لا يسلّم لهم إذ قد يسمع غيرهم حديثا من رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلّم في سفر ، أو في المدينة ويخرج منها .
وأما ثناء رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلّم على أهل المدينة ، وثواب العمل فيها فهو فضيلة للمكان ولا يدل على خصوصية الأخذ باجتهادهم « 3 » .
والمتتبع لما جاء عن مالك رضي الله عنه في احتجاجه بعمل أهل المدينة يجد أنه لم يعتمده اعتمادا مطلقا ، وأنه ذكر الإجماع واحتج به في مسائل لم يثبت فيها إجماعهم على ذلك ، بل ثبت ضده .
يقول أبو محمد ابن حزم : إن مالكا لم يدع الإجماع في عمل أهل المدينة إلا في ثمان وأربعين مسألة في ( الموطأ ) ، وقد تتبعناها فوجدنا منها ما هو إجماع ، ومنها ما
هامش
( 1 ) - صحيح البخاري في [ كتاب الأحكام ] ، باب بيعة الأعراب ، الحديث رقم ( 7209 ) ، وصحيح مسلم [ كتاب الحج ] ، باب المدينة تنفي شرارها ، الحديث رقم ( 1383 ) .
( 2 ) - صحيح البخاري في [ كتاب الحج ] ، باب : الإيمان يأرز إلى المدينة ، الحديث رقم ( 1876 ) ، وصحيح مسلم في [ كتاب الإيمان ] ، باب : بيان أن الإسلام بدأ غريبا ، الحديث رقم ( 146 ) ، ومسند الإمام أحمد 2 / 286 ، 2 / 422 ، 496 ، ومعنى يأرز : ينضم ويجتمع .
( 3 ) - انظر : ( الإحكام ) للآمدي ، 1 / 220 ، و ( المستصفى ) للغزالي ، 1 / ، و ( أثر الأدلة المختلف فيها في الفقه الإسلامي ) للدكتور البغا ، ص 433 .