أما تمحيص الحديث ، وتمييز الصحيح من الضعيف من المتروك منه فقد نشأ عند علماء السنة مبكرا جدا ، حيث مرّ تدوين الحديث عند السنة بمرحلتين رئيستين :
الأولى : مرحلة الجمع ، حيث ظهرت المسانيد والمصنفات في أوائل القرن الثالث الهجري ، ثم اتجه المحدثون بعد ذلك إلى اعتماد المنهج الانتقائي في التصنيف فلم يسجلوا في كتبهم إلا ما اطمأنوا إليه من أقوال النبي صلى اللّه عليه وآله وسلّم ، ثم ظهر البخاري ومسلم ومنهجهما في انتقاء الحديث ، ونقد الأحاديث وتبعهما في ذلك ابن خزيمة ( 311 ه ) ، ثم ابن حبان ( 354 ه ) وذلك في أواخر القرن الثالث الهجري .
ونشأ علم الجرح والتعديل ، وتاريخ الرجال مبكرا عند أهل السنة فكان من أوائل من كتب فيه يحيى بن معين ( - 234 ه ) في كتابه ( تاريخ الرجال ) ، ومحمد بن سعد ( - 230 ه ) في ( الطبقات الكبرى ) ، وأحمد بن حنبل في ( العلل ومعرفة الرجال ) ، وصنّف الإمام علي بن المديني ( 234 ه ) كتابات كثيرة في هذا الشأن « 1 » .
وهكذا استبعد من القبول في علم الرواية من عرف بكذبه ، أو ضعف ضبطه ، أو تخليطه ، وغير ذلك من العلل .
بينما تأخر علم الرجال عند الشيعة كثيرا ، ولم ينضج إلا متأخرا ، ذلك لأن القدماء من علماء الشيعة كانوا يرون اعتماد كل الروايات الواردة من طريق شيعة آل البيت ، وبقي هذا الاتجاه هو السائد زمنا طويلا .
يقول الشيخ محمد حسين فضل اللّه :
وفي الواقع قد يلحظ الإنسان وجود ثلاثة تيارات فكرية في ذلك الوقت ، فالتيار الأول هو التيار المتطرف في الأخذ بالأخبار من دون التدقيق بين الغثّ والسمين ،
هامش
( 1 ) - ( منهج النقد في علوم الحديث ) للدكتور نور الدين عتر ص 62 ، 61 .