الدين والدولة في فكر المهدي بن تومرت
لم يعرف الفكر العقائدي بإفريقية والمغرب عامّة ذلك الازدهار الذي عرفه بالمشرق ؛ ذلك لأن العوامل التي أدّت إلى نضجه وازدهاره هناك لم تتوفر أمثالها في الديار المغربية ، إذ إن هذه الديار لم تشهد التحديات الفكرية الموجهة إلى العقيدة كتلك التي شهدها المشرق متمثلة في التّحدّي المسيحي والثنوي والبرهمي واليوناني وغيرها ، فنشأ في سبيل مواجهتها وردّها وإثبات العقيدة الإسلامية علم العقيدة .
ولهذا السبب فإن الفكر العقائدي بإفريقية ظلّ دوما في موقع التبعية والتقليد لما ينشأ في المشرق من الاتجاهات والمذاهب ، وما يحدث فيها من القضايا والتطورات .
فالمعتزلة التي نشأت أوائل القرن الثاني « 1 » تمثل صيغة جديدة في فهم العقيدة تقوم على الحجة العقلية ، بلغت في القرن الثالث أوج قوتها ، حيث قد استحدثت من الأساليب والطرائق في صوغ أفكارها ، والبرهان عليها ، ونشرها بين الناس ما حقّق لها الغلبة في ساحة الفكر العقائدي ، ويكفي ان نذكر في هذا المجال أعلاما مثل أبي الهذيل العلاف ( ت 226 ه ) وإبراهيم النظام ( ت 231 ه ) ، وبشر بن المعتمر ( ت 226 ه ) والجاحظ ( ت 255 ه ) ، وأبي علي الجبائي ( ت 303 ه ) . وقد وقع المعتزلة في شيء من التغالي في الاعتداد بالعقل والزهادة في النص ، وعلى الأخص الحديث الذي سلّطوا عليه مقياسا نقديا قاسيا أفضى إلى
هامش
( 1 ) . كان ذلك على يد واصل بن عطاء فيما بين سنتي 100 و 110 .