كانت فرحة المهدي بتسلمه مقاليد الأمور أكبر من فرحة أبي عبد اللّه بتخليه عنها ، ذلك أنه عاد ليتربع على عرش السلطة من جديد وقد تهيأت له الآن ظروف لم تتهيأ لغيره من قبل ليحقق أحلامه في بناء دولة وإنشاء خلافة على النحو الذي يريد ويطبعها بشخصيته وتعاليمه كما يشتهي . ومكث الرجلان أربعين يوما في سجلماسة كان المهدي خلالها يعمل على تدعيم مركزه ويركز سلطاته ويجمعها في يده عن طريق إصطناع الرجال وإغراقهم بالهبات والهدايا .
ما إن طلعت شمس صباح يوم الجمعة 21 ربيع الثاني سنة 297 ه / 909 م حتى كان المهدي قد أنهى كل استعداداته لارتقاء عرش الملك والخلافة ومباشرة مهمات القيادة وتدعيم مركزه بالسيطرة الكاملة على جميع مرافق الدولة وحصر السلطات وجمعها في يده وسارع قبل وقت صلاة الظهر بإرسال توقيع أنفذه إلى خطباء رقادة والقيروان والقصر القديم بإعلان نفسه أميرا للمؤمنين وأمرهم بالدعاء به بعد الصلاة على النبي محمد المختار وذكر وصية أمير المؤمنين علي بن أبي طالب وفاطمة والحسن والحسين والأئمة الأطهار من ذريته .
ولم يكد المهدي يرتقي عرش الخلافة حتى أصبح السيد المطلق وصار كل شيء في قبضته وراح يتصرف بكثير من الاستقلالية في الأعمال والتفرد في الرأي ويباشر الأمور بنفسه ثم أخذ يتشبّه بالملوك ويعيش مثلهم حياة البذخ والترف والانغماس في مباهج الحياة وزينتها ويتخذ العبيد والأتباع ويدعو الناس إلى الأخذ بنصيبهم من الحياة فأمرهم بالتزين والتجمل ، وما إن عرضت عليه جواري زيادة اللّه حتى اختار منهن كثيرا لنفسه ولولده وفرّق ما بقي على وجوه كتامة . « 1 »
هامش
( 1 ) . المقريزي ، أحمد بن عليّ : أتعاظ الحنفا بأخبار الأئمة الفاطمّيين الخلفاء ، 1 / 149 ، دار الكتب العلمية ، بيروت ، الطبعة الأولى ، 1422 ه / 2001 م .