وكان هؤلاء شيعة - فلقوا صاحبيهم فأخبراهم بخبر أبي عبد اللّه ، فنظر السماتيون إلى تعظيم الكتاميين بجماعتهم له ، فرغب كل واحد منهم أن يكون نزوله عنده حتى رموا عليه السهام ، فخرج له سهم أبي عبد اللّه الأندلسي ، فنزل عنده ونزل حريث عند أبي المفتش وموسى عند أبي القاسم ، وأنزل السماتيون كل واحد من الكتاميين عند رجل منهم بحسب ما يفعلونه بالأضياف الجماعة إذا حلوا بالقوم ، فذبح كل واحد شاة لضيفه واحتفل في بره وإكرامه .
فنظر أبو عبد اللّه إلى صدق ما وصفوه من أحوالهم ، وأتاه أبو المفتّش وأبو القاسم الورفجومي مع حريث وموسى من الليل ، فتحدثوا عنده مليا . ونظر أبو عبد اللّه إلى قوم لهم من المعرفة والفهم أكثر مما رآه لمن عاينه ممن صحبه ، وأصاب عندهم من علم الشيعة وفضل أهل البيت أصلا قويّا ، فزاد في الكلام معهم والإيضاح لهم . فلما كان آخر المجلس وأرادوا القيام نظر إليه أبو المفتش وقال :
واللّه إني لأظنك صاحب البذر الذي يذكره الحلواني ، وأخبره بخبره ، وقال : فقال أبو عبد اللّه لأبي عبد اللّه الأندلسي : شيخ كويس - يعني أبا المفتش .
فلما خرج أبو المفتش قال لأصحابه : لولا واحدة كان الحلواني يقولها ما تخالجني الشك في أن هذا الرجل هو الذي كان الحلواني يبشر به ، قالوا : وما هو يا أبا حيون ؟ قال : كان إذا وصفه قال : في فيه إصبع ، فبلغ ذلك أبا عبد اللّه فتبسم وقال :
هذا لا يكون ، فلما أخذ العهد بعد ذلك على من سمع ذلك من أبي المفتش واشترط الكتمان وضع إصبعه على فيه وقال : هذا هو الأصبع الذي يقوله الحلواني ، آمركم بالصمت والكتمان ، فأما أن يكون في فم رجل إصبع فلا ، قالوا : كذلك واللّه هو ، وقام عندهم الشاهد في ذلك . « 1 »
هامش
( 1 ) . ابن حيون المغربي التميمي ، القاضي النعمان : كتاب افتتاح الدّعوة ، ص 42 ، دار الأضواء .