وبعد هذه كلها أنعم الله عليهم بإنزال المن والسلوى وهم في التيه أربعين سنة فلم يرتضوا نعمته واستبدلوا الذي هو أدنى بالذي هو خير : فأمرهم الله :
( اهْبِطُوا مِصْراً فَإِنَّ لَكُمْ مَا سَأَلْتُمْ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَاءُوا بِغَضَب مِنَ اللهِ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ذلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ ) ( 59 : 2 ) .
فقد ضرب الله عليهم الذلة والمسكنة لا لأنهم يهود ، بل لكفرهم بآيات الله واعتدائهم على عباد الله ، وقتلهم أنبيائه ، فلم يبقوا رباطاً فيما بينهم وبين الله ولا خلقه ، فانقطعت عنهم العصمة والحرمة ، خلقاً وخالقاً - وهذا ما تقتضيه طبيعة الحال بالنسبة لكل أمة تهتك وتقطع الحبلين : حبل الخالق وحبل المخلوق ، يكفر بالله ويعتدي على خلقه .
وأما الذين آمنوا بالله ولم يعتدوا على خلقه فلهم أجرهم وعزهم على مستوى إيمانهم وعدلهم - إن يهوداً أو نصارى أو صابئين - كما في التصريحة التالية الآية الذل :
( إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحاً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ) ( 60 : 2 ) .
فللإيمان والعمل الصالح أثرهما - ولأحدهما أثره - وللإيمان بالله وعدم الاعتداء على عباده أثرهما - ولكل أثره .
فكل أمة تربط كيانها برباط الإيمان بالله والعدل في خلقه فلها الاعتلاء والعزة تماماً .
وكل أمة تقطع الرباطين - فلها الذلة والمسكنة تماماً .
وكل أمة تأخذ إحدهما وتذر الآخرى فلها على قدر ما تأخذ ، وعليها قدر
المقارنات بين الكتب السماوية — صفحة 383
مساهمون: الشيخ محمد الصادقي الطهراني
ص٣٨٣