أي يخرجون عن طاعته فيما أمروا : ( وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيراً ) ( 16 : 17 ) .
إعتباراً بأن تدمير القرى يناط بفسق مترفيها عن أمر ربها - لا أن يأمرها بالفسق ! بل بأن يأمرهم بما يأمر ، ثم فسقهم عن أمره ، أي خروجهم عن طاعته في أمره ، فسبحانه وتعالى ونعوذ به من سوء الفهم أن يخلط الامر بالفسق عن مطلق الأمر ، فيُزعم أن الله قد يأمر المترفين بالفسق .
والقول الفصل في الآية : أن الله يريد بيان بعض الظروف المستدعية لتحقيق كلمة العذاب والتدمير وهو : أن يأمر المترفين بما يناسب وظروفهم من الواجبات المالية والجماعية ، فيفسقوا عن أمر ربهم ويعصوه - ولما كان فسق المترفين مدمراً للمصالح الجماعية : مالية وعقائدية وخلقية - دون فسق غيرهم - لذلك يعتبر فسقهم بخصوصهم عما أمروا به - يعتبره مقتضياً لتدميرهم لكيلًا يترسب ويفشوا الفساد الناتج عن فسقهم في المجتمع ، ولكي يذوقوا وبال أمرهم .
ولو أن الناظر في هذه الآية بلغ من الجهل إلى حيث لا يميز الفسق عن الأمر عن الأمر بالفسق فليقتف اطلاق القول : أمرنا . . . ثم يتحسس عن سائر الآيات المناسبة : هل إن الله يأمر بالفسق ولو أحياناً ؟ أم : ( إِنَّ اللهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْاحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبى وَيَنْهى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ ) ( 90 : 16 ) .
و : ( إِنَّ اللهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ ) ( 27 : 7 ) فإذا تحقق عنده أنه تعالى لا يأمر بالفسق استشعر المعني من قوله تعالى ( أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا ) وهو الأمر بالخير ( فَفَسَقُوا فِيهَا ) أي خالفوا أمره ( فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيراً ) ( 16 : 17 ) .
الفرية السادسة :
المقارنات بين الكتب السماوية — صفحة 375
مساهمون: الشيخ محمد الصادقي الطهراني
ص٣٧٥