وشاهداً على هذه المغزى صدور الناس يومئذ ليُرَوا أعمالهم - رؤيةً بالسمع والبصر - لا سماعاً لحديث اللسان حكاية عنها فحسب : ، بل رؤية لما عملوا كما عملوا ، وسماعاً لما تكلموا : ما يحكي عنه القلم واللسان ، وحينذاك فالأرض لا تحدث إلّا بنفس الأعمال والأقوال - لا الألفاظ الحاكية عنها فحسب ( فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّة . . . يَرَهُ ) يراه ثم يذوق جزائه : إن خيراً فخيراً وإن شراً فشراً . يراه ذاتياً لا أنه يرى الحاكي عنها ثم يرى الجزاء عليها !
فهذه المسجلة المرموزة الأرضية لا تحدث إلّا ما سجلها - قولًا أو عملًا : خيراً أو شراً - تحدث حينما زلزلت زلزالها - إذا مُدت وألقت ما فيها وتخلت . . ( يَوْمَ تُبَدَّلُ الْارْضُ غَيْرَ الْارْضِ وَالسَّمَاوَاتُ وَبَرَزُوا للهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ ) !
فهي بخلاف ساير المسجلات التي تسكت وتعجز عن التحديث إذا مُزِّقت شريتاتها أو دمرت هي بنفسها !
مسجلة النفس . . . !
ثم هناك طائفة ثانية تعتبر الإنسان بأعضائه مسجلة لأعماله قائلة : ( وَكُلَّ إِنسَان أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَاباً يَلْقَاهُ مَنْشُوراً * اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً ) ( 15 : 17 - 16 ) .
فطائر الإنسان - وهو عمله - ملزم في عنقه - لا ينمحي رأساً - ولا يحاسب به إلّا نفسه .
فبدلية الطائر عن الإنسان : ( أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ ) رمزٌ إلى أن بقاء الإنسان إنما هو ببقاء عمله ، وإن تهدَّلت أجزائه وتبدلت بعد الموت .
والتعبير عن العمل بالطائر - رمزٌ إلى أن عاقبة الإنسان خيراً أو شراً في عاجله وآجله إنما هي رهينة عمله : ( كُلُّ نَفْس بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ ) ( 38 : 74 ) فلا