فليست الخليفة هنا خليفة الجن لأنهم بَعدُ لم ينقرضوا لحد الآن ، ولا خليفة الله ، حيث لا يخلفه وينوب عنه أحدٌ لا في وجوده بعد عدمه - وحاشاه ! ، ولا في أفعاله فإنه على كل شيء قدير ، وإنما هي خليفة من قضى نحبه من إنسان الأرض ، وإن اختلفا في الإستعدادات والقوات روحية وغيرها ، وما يُذكر في الروايات الدينية من كلمة : خليفة الله ، فإنما يراد بها من جعله الله خليفة لمن قبله فيما يختص به السالف من محتد ومنزلة روحية وغيرها ، فخليفة الله بمعنى من جعله الله خلف غيره يخلفه في شأنه أيّاً كان . . . لا من يخلف الله في ألوهيته أو شأن من شؤنها ، وحاشاه !
ثم شاهداً على ذلك سؤال الملائكة على عصمتهم ومعرفتهم : ( أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ ) سؤالًا للتفهم لا التعنت ، قضيةً لقداستهم وعصمتهم - فلو لم يروا سابقة سوء من الإنسان الأرضي - إفساداً وسفكاً للدماء - لم يكن لسؤالهم هذا محل يناسب المورد ويناسب منزلتهم الروحية .
ولو أن هؤلاء الذين انقرضوا لم يكونوا من جنس التراب ومن العقلاء المكلفين - لم يناسب قياس الملائكة هذه الخليفة بهم - ولا التنديد بهم بالإفساد وسفك الدماء قبل أن يروا ذلك منهم !
وهنا يتبين لنا أن كان قبل النسل الحالي نسلٌ أو انسال عقلاء مخلوقون من الأرض مفسدون فيها - والله سبحانه وتعالى استدرك في خلق النسل الحالي بقوله : ( إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ ) تفضيلًا لهم على الغابرين - كما ويقول : ( وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِير مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا ) ( 72 : 17 ) ويقول : ( وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الْارْضِ ) ( 165 : 6 ) ( خَلَائِفَ فِي الْارْضِ ) ( 39 : 35 ) .
فالأجيال الحالية خلائف الغابرين ! وقد فضلوا عليهم تفضيلًا . . .
المقارنات بين الكتب السماوية — صفحة 358
مساهمون: الشيخ محمد الصادقي الطهراني
ص٣٥٨