عموم الإعجاز لمختلف الطبقات البشرية :
لقد كانت وتكون البشرية في شأن القرآن على طرائق شتى يسلكونها كما تناسب ومحتدهم :
فطائفة منهم وهم أهل الفصاحة والبلاغة العربيتين الرائجتين طيلة الأزمان ولا سيما عصر نزول القرآن ، ولقد كانتا أشرف علومهم وأكرم مفاخرهم وهم امرائهما العالمون باساليبهما - الحاملون أعلامهما - والمحيطون بأسرارهما - أصحاب الخطب الطّنانة والقصائد الرنّانة . .
فلما تحداهم الرسول ( صلى الله عليه وآله وسلم ) بالقرآن وبعشر سور مثله ، وبسورة منه وإن كانت أقصرها - مدعياً عجزهم بدءَ ختم أن يأتوا بمثلة : « وان لم تفعلوا ولن تفعلوا فاتقوا النار » وطبيعة الحال تقضي أن تثير هذه الدعوى المُرغمة المذلة طيشَ العصبيات العارمة فيهم - لأن يجمعوا جميعهم فيعارضوه بما تحدى - حال أنه كان ينوِّه بذلك في كل محفل ، مشهراً له في كل جَحفل - وفي حين أنه كان يسفِّه أحلامهم - في عاداتهم وعباداتهم ليل نهار . . . .
هل هذا سحر يؤثر ؟
مع كل هذه المثيرات المغيرات المخزية ، أخذوا يتأملون في آية المنيرة ويسبرونها بمسبار التبيان - يقلبونه ظهر بطن - يتدبرونه . . . فلم يأتوا بعد ذاك وذياك إلّا قول وحيدهم : إن هذا إلّا سحر يؤثر . . :
سحر نعجز عن الاتيان بمثله لسحره - ولكنه يُؤثر . . يبقى طيلة عهود - دون سائر أنواع السحر التي تبطل بعد قليل . . . فلم يأتوا بالأخير إلا اعترافاً بالعجز