ورسالته - لا منزَّل - فهناك فرق بين الإنزال والتنزيل - دفعة في الأولى وتدريجاً في الأخيرة ، كما يشهد بذلك سائر الآي - المذكوران فيها - وآية الذكر تتعهد الحفاظ على الذكر المنزَّل لا المُنزل - فلا تدرُّج في الرسول ذاته ، ولا في أصل رسالته ، حتى ينزَّل ، وإنما ذلك فيما نُزِّل عليه نجوماً من آي الذكر الحكيم .
ثم من ناحية أخرى نعلم أن الرسول محمّداً ( صلى الله عليه وآله وسلم ) لم يحفظ من تطرق شتى الإصابات من قومه طيلة دعوته :
من تهمته بالجنون كما قبل آية الحفظ : ( وَقَالُواْ يَا أَيُّهَا الَّذِي نُزّلَ عَلَيْهِ الذّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ ) ( 6 : 15 ) .
ورميه بشتى ألوان الفرية والزور واصطدامه بما ضربوه وأدموه وجرحوه وحاصروه وحبسوه واضطروه إلى الخروج عن مكة المكرمة - فلم يتركوا شيئاً من الأذى فيه وفي أهل بيته إلّا فعلوه - فبماذا حفظ ؟
أجل إلّا حفظاً لمرامه ومُرامه وشريعته وملته - وما ذلك إلّا بالاحتفاظ على كتابه - فهو آيته الخالدة عبر القرون حتى النهاية واستمرار لكيانه الرسولي ، فبحفظه هو محفوظ طيلة حياته وبعد مماته - وبضياعه يُقضى عليه إطلاقاً وإن في حياته ! وأخيراً - فآية الحفظ نفسها - بما حُفت بها من آيات ، تدلنا على اختصاص الذكر فيها بالقرآن : ( الر تِلْكَ ءَايَاتُ الْكِتَابِ وَقُرْءَان مُّبِين * وَقَالُواْ يَا أَيُّهَا الَّذِي نُزّلَ عَلَيْهِ الذّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ * . . . إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ) ( 1 : 15 و 6 و 9 ) .
فقد كانوا يتهمونه في وحي القرآن بالجنون - وأن للشيطان علاقة مباشرة أو غير مباشرة في اختلاق آية الكريمة ، فأزال الله هذه التهمة الزور - بأنه تعالى هو الذي نزَّله - دون تدخّل لغيره تعالى - وهو الحفيظ عليه لحد النهاية ، وذلك بتأكيدات قيمة متكررة لم تأت مثلها في غيره من مهامِّ الدين - وحقيق له ذلك - حيث الدين لا كينونة له ولا بقاء ولا صيانة إلّا ببقاء القرآن وصيانته عن
المقارنات بين الكتب السماوية — صفحة 226
مساهمون: الشيخ محمد الصادقي الطهراني
ص٢٢٦