تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الوحي ودلالته في القرآن الكريم والفكر الاسلامى — صفحة 249

مساهمون:

ص٢٤٩
وهذه أكمل المراتب التي يبلغها الإنسان بقوته المتخيلة فهي حالة تختص بالأنبياء وحدهم ، والحالة الأخرى هي التي تكون في المنام وهي التي تكون فيها المتخيلة ضعيفة فيكون الاتصال عن طريق المنام بالرؤيا « 1 » . وما يستشف هنا أن المصدر الذي تستقي عنه النفس البشرية هو العقل الفعال . وإذا تحولنا إلى ابن سينا نجد طريقة الوحي ونوع الاتصال عنده معتمد على مدى قوة المتخيلة أيضا ، ويمكن استشفاف تصور كيفية الوحي عند ابن سينا من خلال الربط والصلة بين عدة نقاط تستفاد من تفصيلاته وبحثه فيه ويمكن إجمالها فيما يلي : 1 - إن النفس إذا صفت صفاء شديدا كان لها ( الاتصال بالعقل الفعال حتى يفيض عليها العلوم . . . فهذه النفوس الشريفة يحصل لبعضها قوة الروح القدسية ) « 2 » التي تتيح هذا الاتصال فتستغني غالبا عن التفكر والتعلّم وتتلقى عن العقل الفعال . 2 - إن النفس تعقل بذاتها وليس بآلاتها ، ولأنها استفادت ملكة الاتصال بالعقل الفعال لم يضرها فقدان الآلات « 3 » . وهذه القوة التي تدرك بها المدركات وتعقل بها دون آلات لا تتعرض إلى الكلال - كما لو أن التعقل كان بالآلات - وإنما هي ( إما ثابتة وإما في طريق النمو والازدياد ) « 3 » . 3 - إن بعض النفوس يقوى بقوة بحيث لا تشغله الحواس ولا يتبع بالقوة للنظر إلى عالم العقل والحس جميعا فينفرد للنظر إلى عالم العقل وحده وينشغل عن الحس ( فيطّلع إلى عالم الغيب فيظهر له بعض الأمور كالبرق الخاطف ) ويبقى المتصور المدرك في الحافظة بعينه . ومن هذه الحال يكون الغيب المتلقى على مرتبتين « 3 » : فإذا بقي المتصور المدرك في الحافظة بعينه ( دون تغيير أو تصرف فيه ) كان وحيا صريحا ، وإذا وقع في المتخيلة واشتغلت بطبيعة المحاكاة فحاكته بالصور المحسوسة التي لديها كان مفتقرا إلى التأويل .
هامش
( 1 ) انظر أبو ريان : أصول الفلسفة الإشراقية ( ص 304 ) . ( 2 ) انظر الشهرستاني : الملل والنحل ( 3 / 212 ) . ( 3 ) ابن سينا : الإشارات والتنبيهات القسم ( 3 و 4 ) الإلهيات والتصوف ( ص 674 ) شرح نصير الدين الطوسي ( ت 672 ه / 1273 م ) تحقيق : د . سليمان دنيا - دار المعارف - مصر ( 1958 م ) .