في اليقظة وتختص مرتبة النبوة في علاقتها بالملائكة في أن الروح النبوية تعاشرها في النوم ) « 1 » .
وتتلخص نظرية الفارابي في الوحي المتلقى من الملائكة أنه ينقسم على قسمين تبعا إلى أن الملك والوحي يتأدى عنده من وجهين :
فالقسم الأول : هو الوحي الذي تنعدم فيه وساطة تمثّل الملك بشرا أو سماع صوته ، إذ هذا الوحي ( لوح من مرآة الملك للروح الإنساني بلا واسطة وذلك [ المنعكس ] هو الكلام الحقيقي ) « 2 » بمعنى أن هذا الكلام المنتقش في الروح الإنساني هو الكلام الحقيقي الذي يوحى به لا على سبيل توسط الملك من خلال ظهوره بصورته الحقيقية أو بصورة بشرية ولا بسماع صوته ، وإنما يراد بهذا الكلام أنه تصوير ما يتضمنه باطن المخاطب ( الملك ) في باطن المخاطب ( الروح القدسية الإنسانية ) ليصير مثله . . ، فكأن المخاطب مسّ باطن المخاطب بباطنه مسّ الخاتم الشمع فيجعله مثل نفسه ) « 2 » أو إن انعدام الحجاب بين الملك وباطن المخاطب يجعل هذا الانتقاش أو الانعكاس كاطلاع الشمس على الماء الصافي فينتقش فيه .
أما القسم الثاني : فهو الوحي بواسطة ، ويكون في حالة عجز المخاطب ( الملك ) عن مس باطن المخاطب كما يمس الشمع الخاتم في تعبير الفارابي ، فإذا حدث ذلك العجز ( اتّخذ بين الباطنين سفيرا من الظاهرين فكلّم بالصوت أو كتب أو إشارة ) « 2 » .
فهذا القسم تعلق من ناحية الملك بالاستعانة بالوسائط من الآثار الظاهرة متمثلة في الصوت أو الإشارة . . . إلخ .
وبلوغ الإنسان القدرة على الاطلاع على الغيب بمعناه العام يعتمد عند الفارابي على المتخيلة ومدى قوة إدراكها .
فإذا بلغت المتخيلة نهاية الكمال فلا يمتنع في الإنسان أن يقبل في يقظته عن العقل الفعال الجزئيات الحاضرة والمستقبلة أو محاكياتها من المحسوسات ، ويقبل محاكيات المعقولات المفارقة وسائر الموجودات الشريفة ويراها فيكون له بما قبله من المعقولات نبوة .
هامش
( 1 ) فصوص الحكم : الفص ( 33 ص 73 ) .
( 2 ) فصوص الحكم : الفص ( 56 ص 87 ) .