( ليس أكثر من أن يفعل المتكلّم فعلا يدلّ به المخاطب على العلم الذي في نفسه ، أو يصير المخاطب بحيث ينكشف له ذلك العلم الذي في نفسه وذلك فعل من جملة أفعال الفاعل ) « 1 » .
ولقيام فعل التكلم في المفعول المخلوق فإنه يشترط أن يكون ذلك بواسطة وهو اللفظ ، إلا أن هذه الواسطة لا يشترط أن تكون لفظا مخلوقا له بل إن لذلك عند ابن رشد وجوها عدة « 1 » : فقد يكون بواسطة ملك ، وقد يكون وحيا ، أي بغير واسطة لفظ يخلقه بل يفعل فعلا في السامع ينكشف له به ذلك المعنى .
وقد يكون ذلك بواسطة لفظ يخلقه اللَّه في سمع المختص بتكليمه سبحانه .
وابن رشد يجعل هذه الاحتمالات مستمدة من آية الشورى في قوله تعالى :
وَما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْياً أَوْ مِنْ وَراءِ حِجابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ ما يَشاءُ
[ الشورى : 51 ] ، وهو يستفيد من الآية تحديدا لكل من تلك الصور والوسائل للوحي والتكليم كالآتي « 3 » :
فالوحي هو الصورة الأولى وتحديده عند ابن رشد أنه ما انعدمت فيه الواسطة :
وهي اللفظ المخلوق ، ويكون هذا الوحي بانكشاف المعنى بواسطة فعل يفعله في المخاطب ) . ويمثل لهذا بقوله تعالى :
فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنى فَأَوْحى إِلى عَبْدِهِ ما أَوْحى
[ النجم : 9 - 10 ] .
أما التكليم من وراء حجاب فهو الكلام الكائن بواسطة هي : ( ألفاظ يخلقها [ تعالى ] في نفس الذي اصطفاه لكلامه ، وهذا هو ( الكلام الحقيقي ) والذي خصّ به موسى عليه السلام في قوله تعالى :
. . وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسى تَكْلِيماً . .
[ النساء :
163 ] ) .
وأما إرسال الرسول فهو هذا التكليم نفسه إلا أن الواسطة هنا هي الملك .
ويورد صورة أخرى هي : ما يكون للعلماء وهم ورثة الأنبياء هي كلامه تعالى بما يلقيه إلى العلماء بواسطة البراهين ( التي يدركونها من خلال ما في بدائع الصنعة والنظام ) .
هامش
( 1 ) الكشف عن مناهج الأدلة ( ص 81 ) .
( 3 ) المصدر السابق ( ص 82 ) .