تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الوحي ودلالته في القرآن الكريم والفكر الاسلامى — صفحة 22

مساهمون:

ص٢٢
معها ، واستلزم ذلك بروز دور الوسيط بينه ، وبين تلك القوى لاستجلاء تعاليمها وأوامرها وما تريده من قرابين ، وقد اختلف هذا الوسيط بين أن يكون بشريا تمثل في الكهنة ، أو أن يكون عنصرا ماديا طبيعيا . وما غلب في المعتقدات البدائية في هذا الاتصال - الوحي - أنه كان يمثل تصرفا خارجا عن قدرة الطبيعة ولذلك فإنه ( غالبا ما ارتبط بأجسام فيزيائية كالأحجار والصخور وعظام الأموات ، والحيوانات غير الطبيعية وأجسام أخرى ، كما ارتبط بالأعمال السحرية المقدسة ) « 1 » . فالوحي في مفهومه العام هنا يبرز بوصفه وسيلة لهداية الإنسان إلى فكرة التعايش مع الإله المسيّر للوجود من خلال معرفة ما يريد وتطبيقه ، وساعد في ذلك كما يرى ألكسيس كاريل : ( أن الإنسانية أشربت بالوحي الديني أكثر مما أشربت بالتفكير الفلسفي ، فقد كان الدين هو أساس الأسرة والحياة الاجتماعية في المدنيات القديمة ) « 2 » . وهكذا آمن الإنسان البدائي بأن العالم من حوله مليء بقوى غير منظورة تتصل به كالأورندا (
TheOrenda
) عند الهنود الأمريكيين أو الهواكا (
Thehuaca
) عند أهل بيرو القدماء « 3 » مثلا . وهذا ما جعلهم - كما يرى كولن ولسن - ( أقرب من الإنسان الحديث إلى الحقيقة ذلك لأن حدسهم للقوى غير المنظورة جعلهم متفتحين لتلقي مظاهر وتجليات المعنى التي تحيط بنا ) « 4 » . وقد تولد عند الإنسان شوق إلى معرفة الغيب عبّر عن رغبة غريزية في الإيمان بتلك القوى غير المنظورة ، وبالمغزى الأكثر اتساعا لما هو غير منظور ومغيب ، فعاد وجود هذه القوى أمرا عاديا ومعروفا عند الإنسان البدائي ، كما أخذ هذا المفهوم الواسع للمغيبات بالتطور مع تطور الإنسان واستمرار مسيرته في الحياة . وبتطور المدنيات وبروز الأسس الحضارية برز دور الدين بوصفه عاملا فعالا في شؤون الحياة جميعها ، فكان لا بدّ من استمرار دور الوسطاء البشريين في تلقي تعاليم الإله وقد مارس الكهنة هذا الدور المهم .
هامش
( 1 ) . 1974London(Revealation) 783 : 15Encyclopaedia Britannica( 2 ) الإنسان ذلك المجهول ( ص 157 ) ، ترجمة شفيق أسعد فريد ، مكتبة المعارف - بيروت - 1974 م . ( 3 ) كولن ولسن : الإنسان وقواه الخفية ( ص 5 ) ، ترجمة سامي خشبة ، دار الآداب - بيروت ط 3 1980 م . ( 4 ) المصدر السابق ( ص 6 ) .