وجوههم وزرقة عيونهم ، وهذا الوجه باطل ، لأنّه تعالى خصَّ أهل الأعراف بأنّهم يعرفون كلّ واحد من أهل الجنّة وأهل النار بسيماهم ، ولو كان المراد ما ذكروه لما بقي لأهل الأعراف اختصاص بهذه المعرفة ، لأنّ كلّ أحد من أهل الجنّة ومن أهل النار يعرفون هذه الأحوال من أهل الجنّه ومن أهل النار ، ولمّا بطل هذا الوجه ثبت أنّ المراد بقوله : يَعْرِفُونَ كُلًّا بِسِيمَاهُمْ هو أنّهم كانوا يعرفون في الدُّنيا أهل الخير والإيمان والصلاح ، وأهل الشرّ والكفر والفساد ، وهم كانوا في الدُّنيا شهداء الله على أهل الإيمان والطاعة وعلى أهل الكفر والمعصية ، فهو تعالى يجلسهم على الأعراف ، وهى الأمكنة العالية الرفيعة ليكونوا مطّلعين على الكلّ يشهدون على كلّ أحد بما يليق به ، ويعرفون أنّ أهل الثواب وصلوا إلى الدرجات ، وأهل العقاب إلى الدركات » « 1 » .
ومراد الرازي نفس ما ذكرناه في مبحث شهداء الأعمال في الآخرة .
وهذا أيضاً ما ذكره الطباطبائي في تفسير هذه الآية بقوله : « وليس معنى السيماء أن يُعلم المؤمنون والكفّار بعلامة عامّة يُعرف صنفهم بها كلّ من
شاهدهم كبياض الوجه أوسواده مثلًا ؛ فإنّ قوله تعالى في الآية الثانية : وَنَادَى أَصْحَابُ الْأَعْرَافِ رِجَالًا يَعْرِفُونَهُمْ بِسِيمَاهُمْ قَالُوا مَا أَغْنَى عَنْكُمْ جَمْعُكُمْ وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ * أَ هؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لَا يَنَالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ . . . يفيد أنّهم ميّزوا خصوصيّات من أحوالهم وأعمالهم من سيماهم ككونهم مستكبرين أولى جمع وقد أقسموا كذا وكذا ، وهذه أمور وراء الكفر والإيمان في الجملة » « 2 » .
هامش
( 1 ) تفسير الرازي ، مصدر سابق : ج 14 ص 87 .
( 2 ) الميزان في تفسير القرآن ، مصدر سابق : ج 8 ص 124 .