وقال : لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ ( ق : 35 ) فأفاد أن لهم هناك ما هو فوق مشيّتهم ، والمشيّة تتعلّق بكلّ ما يخطر ببال الإنسان من السعادة والخير ، فهناك ما لا يخطر على قلب بشر ، كما قال تعالى : فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِىَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ ( السجدة : 17 ) . فإذا كان هذا قدر ما أعطاه الله لعباده الذين آمنوا وعملوا الصالحات وهو أمر فوق القدر كما عرفت ذلك ، فما يعطيه لرسوله صلى الله عليه وآله في مقام الامتنان أوسع من ذلك وأعظم .
وأما رضى رسول الله صلى الله عليه وآله فمن المعلوم أن هذا الرضا ليس هو الرضا بما قسم الله الذي هو زميل لأمر الله ، فإن الله هو المالك الغنىّ على الإطلاق وليس للعبد إلا الفقر والحاجة ، فينبغي أن يرضى بقليل ما يعطيه ربّه وكثيره ، وينبغي أن يرضى بما قضاه الله في حقّه ، سرّه ذلك أو ساءه . فإذا كان هذا هكذا فرسول الله صلى الله عليه وآله أعلم وأعمل ، لا يريد إلا ما يريده الله في حقّه .
لكن هذا الرضا حيث وضع في مقابل الإعطاء يفيد معنىً آخر نظير إغناء الفقير بما يشكو فقده ، وإرضاء الجائع بإشباعه ، فهو الإرضاء بالإعطاء من غير تحديد ، وهذا أيضاً مما وعد الله ما يشابهه لفريق من عباده ؛ قال عزّ من قائل : إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ * جَزَاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِى مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذلِكَ لِمَنْ خَشِىَ رَبَّهُ ( البيّنة : 8 7 ) . وهذا أيضاً لموقع الامتنان والاختصاص يجب أن يكون أمراً فوق ما للمؤمنين وأوسع من ذلك » « 1 » .
إذن فتحصّل أن الآية المباركة اشتملت على وعد بالعطاء المطلق الذي يتبعه رضى مطلق . فإذا ضممنا إلى هذه الآية قوله تعالى في حقّ رسوله صلى
هامش
( 1 ) الميزان في تفسير القرآن ، مصدر سابق : ج 1 ص 177 .