الشاهد الثاني : قوله تعالى : يَوْمَئِذٍ لَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمنُ وَرَضِىَ لَهُ قَوْلًا ( طه : 109 ) بتقريب : أن الآية أشارت إلى أن الشفاعة
تنفع من كان قوله مرضيّاً عند الله تعالى من دون اشتراط العمل معه . غير أن القول هنا ليس هو الألفاظ المجرّدة وإلا لكان المنافق مرضيّاً عند الله تعالى أيضاً ، بل لابدّ من حكاية القول عن الإيمان والاعتقاد الثابت ، وهذا ما أشار إليه تعالى في قوله : أَ لَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِى السَّمَاءِ * تُؤْتِى أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ * وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ مَا لَهَا مِنْ قَرَارٍ * يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِى الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِى الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ ( إبراهيم : 27 24 ) .
المستفاد من هذه الآيات أن المراد بالكلمة الطيبة التي شُبّهت بشجرة طيّبة من صفتها كذا وكذا ، هو الاعتقاد الحقّ الثابت ، فإنه تعالى ذكر بعد هذا وهو كالنتيجة المأخوذة من التمثيل : يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِى الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِى الْآخِرَةِ والقول هي الكلمة ، ولا كلّ كلمة بما هو لفظ بل بما هي معتمدة على اعتقاد وعزم يستقيم عليه الإنسان ولا يزيغ عنه عملًا .
وقد تعرّض تعالى لما يقرب من هذا المعنى في مواضع من كلامه كقوله : إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ( الأحقاف : 13 ) .
وقوله : إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا ( حم السجدة : 30 ) .
المعاد روية قرآنية — صفحة 187
مساهمون: السيد كمال الحيدري
ص١٨٧