رَهِينٌ لتأنيث النفس ، لأنها لو قصدت لقيل : رهين ؛ لأن فعيلًا بمعنى مفعول يستوى فيه المذكّر والمؤنث ، وإنما هي بمعنى الرهن كالشتيمة بمعنى
الشتم ، كأنه قيل : كلّ نفس بما كسبت رهن » « 1 » .
وكأن العناية في عد كلّ نفس رهينة أن لله عليها حقّ العبودية بالإيمان والعمل الصالح فهي رهينة محفوظة محبوسة عند الله حتى توفى دينه وتؤدّى حقّه تعالى ، فإن آمنت وصلحت فُكّت وأطلقت ، وإن كفرت وأجرمت وماتت على ذلك كانت رهينة محبوسة دائماً ، وهذا غير كونها رهين عملها ملازمة لما اكتسبت من خير وشرّ ، كما في قوله تعالى : كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ ( الطور : 21 ) .
إِلَّا أَصْحَابَ الْيَمِينِ وهم الذين يؤتون كتابهم بأيمانهم يوم القيامة ، وقد عرفت أنهم أصحاب العقائد الحقّة والأعمال الصالحة من متوسّطى المؤمنين . ووجه تسميتهم بأصحاب اليمين في مقابل أصحاب الشمال وربما سموا أصحاب الميمنة في مقابل أصحاب المشأمة ، وهو من الألفاظ التي اصطلح عليه القرآن مأخوذ من إيتاء الإنسان يوم القيامة كتابه بيمينه أو شماله ؛ قال تعالى : يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ فَمَنْ أُوتِىَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَأُولئِكَ يَقْرَءُونَ كِتَابَهُمْ وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا * وَمَنْ كَانَ فِى هذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِى الْآخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلًا ( الإسراء : 72 71 ) .
والحاصل : إن الله سبحانه بيّن في هذه الآيات « أن كلّ نفس مرهونة يوم القيامة بما كسبت من الذنوب ، مأخوذة بما أسلفت من الخطايا إلا أصحاب اليمين فقد فكّوا من الرهن وأطلقوا واستقرّوا في الجنان ، ثم ذكر أنهم غير محجوبين عن المجرمين الذين هم مرهونون بأعمالهم ، مأخوذ عليهم في
هامش
( 1 ) الكشّاف عن حقائق غوامض التنزيل ، مصدر سابق : ج 4 ص 654 .