إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذلِكَ مُتْرَفِينَ * وَكَانُوا يُصِرُّونَ عَلَى الْحِنْثِ الْعَظِيمِ * وَكَانُوا يَقُولُونَ أَ إِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً وَعِظَاماً أَ إِنَّا لَمَبْعُوثُونَ * أَ وَآبَاؤُنَا الْأَوَّلُونَ * قُلْ إِنَّ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ * لَمَجْمُوعُونَ إِلَى مِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ * ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا الضَّالُّونَ الْمُكَذِّبُونَ * لَآكِلُونَ مِنْ شَجَرٍ مِنْ زَقُّومٍ * فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ * فَشَارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ الْحَمِيمِ * فَشَارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ * هذَا نُزُلُهُمْ يَوْمَ الدِّينِ ( الواقعة : 56 41 ) .
قال الرازي في ذيل هذه الآيات : « وفيها لطيفة وهى أنه أشار في الآيات الثلاث وهى قوله : إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذلِكَ مُتْرَفِينَ إلى قوله : أَ وَآبَاؤُنَا الْأَوَّلُونَ إلى الأصول الثلاثة ، فقوله : إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذلِكَ مُتْرَفِينَ من حيث الاستعمال يدلّ على ذمّهم بإنكار الرسل ؛ إذ المترف متكبّر بسبب الغنى فينكر الرسالة ، والمترفون كانوا يقولون : أَ بَشَراً مِنَّا وَاحِداً نَتَّبِعُهُ ( القمر : 24 ) . وقوله : وَكَانُوا يُصِرُّونَ عَلَى الْحِنْثِ الْعَظِيمِ إشارة إلى الشرك ومخالفة التوحيد ، وفيه مبالغات من وجوه :
أحدها : قوله وَكَانُوا يُصِرُّونَ وهو آكد من قول القائل : إنهم قبل ذلك أصرّوا لأن اجتماع لفظىْ الماضي والمستقبل يدلّ على الاستمرار ؛ فقولنا : ( فلان كان يحسن إلى الناس ) يفيد كون ذلك عادة له .
ثانيها : لفظ الإصرار ؛ فإن الإصرار مداومة المعصية والغلول ، ولا يقال في الخير ( أصرّ ) .
ثالثها : الحنث ؛ فإنه فوق الذنب ، فإن الحنث لا يكاد في اللغة يقع على الصغيرة ، والذنب يقع عليها .
وقوله : وَكَانُوا يَقُولُونَ أَ إِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً وَعِظَاماً أَ إِنَّا لَمَبْعُوثُونَ إشارة إلى إنكار الحشر والنشر » « 1 » .
هامش
( 1 ) التفسير الكبير أو مفاتيح الغيب ، مصدر سابق : ج 29 ص 149 .