أَنْفُسِهِمْ غير مستندة إلى حجّة عقليّة أو دليل سمعىّ . . . » « 1 » .
والشهادة غير العلم ، لأنّ الله تعالى عندما يقول عن الشاهد بأنّه شاهد على أعمالكم فإنّ مراده من الشهادة هو العلم ليس عن سماع فحسب ، بل عن معاينة ومشاهدة ، فالشهادة تتضمّن وتحمل معنى العلم وفيها خصوصيّة أخرى وهى المعاينة .
وهذا من قبيل الطبيب عندما يعاين المريض المتألّم فإنّه يعلم بألمه ، ولكنّه لا يشعر به ، وهذا بخلاف ما لو تألّم هو بنفسه عندما يمرض فهو في هذه الحالة يشعر بالألم ويعاينه ويشاهده فيكون العلم هنا علماً خاصّاً ، والشهادة تعطى هذا المعنى ، فعندما نقول « شاهد على أعمال الخلائق » ، أي الذي يعاين ويشاهد أعمال الخلائق ، وعندما نقول « أعمال » فليس مرادنا من ذلك القيام والجلوس في الصلاة ، بل حقيقة الشئ وباطنه وملكوته والذي نعبِّر عنه بالنيّة أو الاعتقاد والغيب .
فإذا كانت الشهادة تتوقّف على المعاينة وعلى التحمّل وعلى الرؤية ، فإذن لابدّ أن تكون الأعمال في الدُّنيا حاضرة عند الشاهد ، وإلّا كيف يستطيع أن يكون يوم القيامة شاهداً على زيد بأنّه كان مؤمناً وعلى عمرو بأنّه لم يكن مؤمناً ، لو لم يكن في الدُّنيا قد عاين باطن زيد وعمرو ليشهد عليهما بعد ذلك .
وهذه الحقيقة أثبتتها عشرات الآيات والروايات ، وكلّها تثبت أنّ أعمال الخلائق تُعرض على إمام كلّ زمان ، ومنشأ ذلك قوله تعالى : وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ( التوبة : 105 ) .
هامش
( 1 ) الميزان في تفسير القرآن ، مصدر سابق : ج 12 ص 323 .