وكيفما كان فقد ترتّب على هذا الأصل الذي اختاره بعض أعلام المعتزلة ( من أن العصاة ومقترفى الذنوب إذا ماتوا بلا توبة فإنهم مخلّدون في النار ) أن اتجهوا إلى توجيه الآيات والروايات الدالّة على إثبات الشفاعة لرفع العقاب بما ينسجم مع قواعدهم في تلك المسألة ، فاستدلّوا لاثبات دعواهم ( إن الشفاعة هي لزيادة الثواب لا لإسقاط العقاب ) بوجوه نحاول الوقوف على بعضها :
قوله تعالى : وَاتَّقُوا يَوْماً لَا تَجْزِى نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ ( البقرة : 48 ) .
قالوا إنها تدلّ على نفى الشفاعة من ثلاثة أوجه :
الأول : قوله : لَا تَجْزِى نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً ولو أثّرت الشفاعة في إسقاط العقاب لأجزت نفس عن نفس شيئاً .
الثاني : قوله : وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وهذه نكرة في سياق النفي فتعمّ جميع أنواع الشفاعة .
الثالث : وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ ولو كان محمد صلى الله عليه وآله شفيعاً لأحد من العصاة لكان ناصراً له ، وذلك على خلاف الآية .
وقوله تعالى : مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِىَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَاعَةٌ ( البقرة : 254 ) .
ظاهر الآية يقتضى نفى الشفاعات بأسرها .
وقوله تعالى : وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ ( البقرة : 270 ) .
ولو كان الرسول يشفع للفاسق من أمّته لوصفوا بأنّهم منصورون ، لأنه إذا تخلّص بسبب شفاعة الرسول عن العذاب فقد بلغ الرسول النهاية في نصرته .
المعاد روية قرآنية — صفحة 159
مساهمون: السيد كمال الحيدري
ص١٥٩