فمعنى قوله : لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ أنه لا يغفر إذا مات بلا توبة ، كما أن معنى قوله : وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ أنه يغفر ما دون الشرك من الذنوب بغير توبة لمن يشاء من المذنبين . ولو كانت سائر الذنوب مثل الشرك غير مغفورة إلا بالتوبة لما حسن التفصيل بينهما مع وضوح دلالة الآية على التفصيل .
ولا يلزم من حمل الآية على ظاهرها وإدخال ما دون الشرك في الغفران الإلهى إغراء بالمعصية ، لأن الإغراء إنما يحصل بالقطع على الغفران ، وأما إذا كان الغفران متعلّقاً بالمشيئة فلا إغراء فيه ، بل يكون العبد به واقفاً بين الخوف والرجاء على الصفة التي وصف الله بها عباده المرتضين في قوله تعالى : يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً ( السجدة : 16 ) وقوله : يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ ( الزمر : 9 ) .
وقال : وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ ( الشورى : 30 ) .
فإن الآية واردة في حقّ غير التائب وإلا فإن الله سبحانه يغفر ذنوب التائب جميعاً إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً ( الزمر : 53 ) لا كثيرها فقط ، مع أنه سبحانه يقول وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ .
والحاصل : إن الآية دالّة على أنه تعالى يترك الكثير من هذه التشديدات بفضله ورحمته .
وروى عن الإمام علي عليه السلام أن النبىّ صلى الله عليه وآله قرأ هذه الآية وقال :
« ما عفا الله عنه فهو أعزّ وأكرم من أن يعود إليه
في الآخرة ، وما عاقب عليه في الدنيا فالله أكرم من أن يعيد العذاب عليه في الآخرة »
« 1 » .
هامش
( 1 ) رواه الواحدي في البسيط نقلًا عن التفسير الكبير ، مصدر سابق : ج 27 ص 149 .