والقرآن يثبت في الكثير من آياته أنّ الشهداء الذين هم من البشر متعدّدون وليس الشاهد واحداً ، هذا أوّلًا .
وثانياً : إنّ لكلّ أمّة شهيداً كما قال تعالى : وَيَوْمَ نَبْعَثُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيداً ( النحل : 84 ) ، وهذا البعث غير بعث يوم القيامة ، بل بعث في البعث ، فكلّ أمّة لها حشرها الخاصّ ، وهذا الشخص الشاهد يشهد عليهم ويحضر معهم . فمن هو هذا الشاهد ؟
يشير القرآن الكريم بشكل صريح إلى أنّه إذا كان في أمّة نبىّ فيكون هو الشهيد والشاهد على أعمال تلك الأمّة ما دام نبيّهم وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً مَا دُمْتُ فِيهِمْ ( المائدة : 117 ) .
والقيد الأخير مَا دُمْتُ فِيهِمْ إشارة إلى أنّ الشهداء لهم مقامات مختلفة ، فهناك مقام لشهيد من الأمّة وهو أنّه شاهد عليهم ما دام فيهم ، وهذا هو حال جميع الأنبياء ، ولكن هناك استثناء خاصّ للنبىّ الخاتم محمّد
صلى الله عليه وآله الذي لا يوجد له مثل هذا القيد . وتفصيل الكلام حول هذه المسألة سوف نتعرّض له في طيّات هذه الأبحاث .
والشواهد الروائيّة تثبت كون الأنبياء والرسل هم الشهداء ، منها :
قال أمير المؤمنين عليه السلام في صفة يوم القيامة : «
يجتمعون في مواطن يستنطق فيه جميع الخلق فلا يتكلّم أحد إلّا من أذِنَ له الرحمن وقال صواباً ، فيقام الرسل فيسأل ، فذلك قوله لمحمّد صلى الله عليه وآله :
فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هؤُلَاءِ شَهِيداً ( النساء : 41 )
، وقوله تعالى :
وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِى كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيداً عَلَيْهِمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَجِئْنَا بِكَ شَهِيداً عَلَى هؤُلَاءِ ( النحل : 89 ) » . « 1 »
هامش
( 1 ) الميزان في تفسير القرآن ، مصدر سابق : ج 12 ص 322 .