وهذا هو الأسلوب الذي اعتمده القرآن الكريم في جملة من الآيات لمعالجة هذه المسألة ، حيث ينفى كلّ كمال عن غيره تعالى ويحصره به سبحانه ، ثم يثبته لغيره بإذنه ومشيّته ، فتفيد أن الموجودات غيره تعالى لا تملك ما تملك من هذه الكمالات بنفسها واستقلالها ، وإنما تملكها بتمليك الله إياها . ولعلّ هذا معنى ما ورد عن علي أمير المؤمنين عليه السلام
عندما سأله عباية بن ربعي عن معنى الاستطاعة قال :
« تملكها بالله الذي يملكها من دونك ، فإن ملّككها كان ذلك من عطائه ، وإن سلبكها كان ذلك من بلائه ، وهو المالك لما ملّكك والقادر على ما عليه أقدرك »
« 1 » .
قال الرازي في ذيل قوله فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْراً : « فإن قلت : إذا كان الأمر كلّه لله ، فكيف أثبت لهم ( الملائكة ) ههنا تدبير الأمر ؟ قلت : لما كان ذلك الإتيان به كان الأمر كأنه له » « 2 » . وقال الطباطبائي : « فهو تعالى الفاعل المستقلّ في مبدئيته على الإطلاق والقائم بذاته في إيجاده وعلّيته وهو المؤثّر بحقيقة معنى الكلمة ، لا مؤثّر في الوجود إلّا هو ، ليس لغيره من الاستقلال الذي هو ملاك العلّية والإيجاد إلّا الاستقلال النسبي » « 3 » .
وفى ضوء هذه الحقيقة يمكن معالجة الصنفين المتقدّمين من الآيات في الشفاعة التشريعية ، فإنها إذا كانت عبارة عن جريان الفيض الإلهى على عباده لتطهيرهم من الذنوب وتخليصهم عن شوائب المعاصي ، فهي فعل مختصّ بالله سبحانه لا يقدر عليه أحد إلا بإقداره وإذنه ، وبذلك تصحّ
هامش
( 1 ) تحف العقول عن آل الرسول ، الشيخ الثقة ابن شعبة الحرّانى ، الناشر : مؤسسة النشر الإسلامي ، قم إيران : ص 213 .
( 2 ) التفسير الكبير ، مصدر سابق : ج 31 ص 27 .
( 3 ) نهاية الحكمة ، العلّامة السيد محمد حسين الطباطبائي ، مؤسسة النشر الإسلامي : ص 176 .