ولكي تتّضح هذه الفكرة نستعين بمثال يكثر استعماله في كلمات أهل
المعرفة ، استلهموه من استدلالات أهل البيت عليهم السلام كما سيتّضح ، ومنه نفذ إلى الحكمة المتعالية والفلسفة الصدرائية ، نعنى به مثال الصورة التي تنعكس في المرآة ، ففي مثال الصورة المرآتية التي تعكس صاحبها ، من الواضح أن الصورة التي في المرآة غير صاحبها وهى ليست عينه ، لكنها في الوقت ذاته هي آية وعلامة دالّة على صاحبها وليست شيئاً بإزاء صاحب الصورة .
بمثال آخر : إذا وضعت ناراً أمام المرآة فستبدو الصورة المرآتية وكأنها جامعة لكلّ الخصائص الموجودة للنار الحقيقية ، لكن من دون أن يكون هناك شئ بداخل المرآة ، بل هي تعكس النار الخارجية وحسب ، لا أن في داخل المرآة ناراً أخرى أيضاً .
هذا هو في الحقيقة الفارق بين السراب كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً ( النور : 39 ) وبين الآية ، فإن السراب خيال ووهم لا واقع له ، بعكس الآية فإنها حقيقة ، لكن لا في نفسها وإنما هي تعكس حقيقة أخرى ثابتة لله سبحانه . فالسراب كاذب بيد أن الآية صادقة في كلّ ما تحكيه عن خصائص ذي الآية . وهذا هو معنى الآية والتجلّى بحسب الاستعمال القرآني : فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكّاً وَخَرَّ مُوسَى صَعِقاً ( الأعراف : 143 ) .
تبقى هناك إشارة لها مغزاها ، فمثال المرآة وكيف تعكس قدرة الله جلّ جلاله أو عظمته وعلمه ونحو ذلك ، استعمله الإمام علي بن موسى الرضا عليه السلام في ذلك اللقاء الفكري السجالى الشهير الذي عقده المأمون العباسي ( ت : 218 ه ) ودعا إليه أبرز رموز الحِجاج الكلامي في عصره وكبار القيادات الفكرية عند النصارى واليهود والصابئة والزرادشتية وبعض الشخصيات العلمية الرومية ، حيث انطلق الحوار فيه ساخناً قويّاً
المعاد روية قرآنية — صفحة 114
مساهمون: السيد كمال الحيدري
ص١١٤