والمراد ب « الإذن » الإذن في الكلام للشفاعة كما يبيّنه قوله بعده وَرَضِىَ لَهُ قَوْلًا فإن التكلّم يومئذ منوط بإذنه تعالى ؛ قال : يَوْمَ يَأْتِ لَا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ ( هود : 105 ) وقال : لَا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمنُ وَقَالَ صَوَاباً ( النبأ : 38 ) . وسيأتي توضيح الحال في شرائط الشافع .
وقوله : يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ ( الأنبياء : 28 ) .
والمراد من قوله « ارتضى » أي ارتضاء دينه ؛ لقوله تعالى : إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ ( النساء : 48 ) .
قال الآلوسي في تفسيره : « ولا يشفعون إلا لمن ارتضى الله تعالى أن يشفع له ، وهو كما أخرج ابن جرير وابن المنذر والبيهقي وابن أبي حاتم عن ابن عباس : ( من قال لا إله إلّا الله ) وشفاعتهم الاستغفار ، وهى كما في الصحيح تكون في الدنيا والآخرة ، ولا متمسك للمعتزلة في الآية على أن الشفاعة لا تكون لأصحاب الكبائر ، فإنها لا تدلّ على أكثر من أن لا يشفعوا لمن لا ترتضى الشفاعة له ، مع أن عدم شفاعة الملائكة لا تدلّ على عدم شفاعة غيرهم » « 1 » .
وقوله : وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِى السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِى شَفَاعَتُهُمْ شَيْئاً إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى ( النجم : 26 ) .
الآية مسوقة لنفى أن يملك الملائكة من أنفسهم الشفاعة مستغنين في ذلك عن الله سبحانه كما يروم إليه عبدة الأصنام ، فإن الأمر مطلقاً إلى الله سبحانه وتعالى فإنما يشفع من يشفع منهم بعد إذنه تعالى له في الشفاعة ورضاه بها .
هامش
( 1 ) روح المعاني ، مصدر سابق : ج 17 ص 49 المجلد العاشر .