تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المعاد روية قرآنية — صفحة 106

مساهمون:

ص١٠٦
الحسنى وسائط بينه وبين خلقه في إيصال الفيض إليهم ، ولازم ذلك أن جهات الخلقة وخصوصيات الوجود التي في الأشياء ترتبط إلى ذاته المتعالية من طريق صفاته الكريمة . فالعلم والقدرة والرزق والنعمة التي عندنا بالترتيب . فجهلنا يرتفع بعلمه ، وعجزنا بقدرته ، وذلّتنا بعزّته ، وفقرنا بغناه ، وذنوبنا بعفوه ومغفرته . وعلى هذا ، فما من شئ من المخلوقات المركّبة الوجود إلا ويتوسّط لوجوده عدة من الأسماء الحسنى بعضها فوق بعض وبعضها في عرْض بعض . وكلّ ما هو أخصّ منها يتوسّط بين الشئ وبين الأعمّ منها ، كما أن الشافي يتوسّط بين المريض وبين الرؤوف الرحيم ، والرحيم يتوسّط بينه وبين القدير في الشفاعة التكوينية وكما تتوسّط الرحمة والمغفرة بينه وبين عبده المذنب لإنجائه من وبال الذنب وتخليصه من العذاب في الشفاعة التشريعية . والتوسّط المذكور في الحقيقة تتميم لتأثير السبب فيه ، وإن شئت فقل هو تقريب للشئ من السبب لفعلية تأثيره ، وينتج منه أنه تعالى شفيع ببعض أسمائه عند بعض ، فهو الشفيع ليس من دونه شفيع في الحقيقة . وهذا معناه أن الشفيع حقيقة هو الله سبحانه كما دلّ عليه قوله قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعاً لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ( الزمر : 44 ) وغيره من الشفعاء لهم الشفاعة بإذن منه ، كما سيأتي بيانه . بما تقدّم اتّضح أن لا محذور في إطلاق الشفيع عليه تعالى بمعنى كونه شفيعاً بنفسه عند نفسه ، وحقيقته توسّط صفة من صفاته الكريمة بين الشئ وصفة من صفاته ، كما يستعاذ من سخطه إلى رحمته ومن عدله إلى فضله ، وأما كونه شفيعاً بمعنى شفاعته لشئ عند غيره فهو مما لا يجوز بوجه من الوجوه .