ذلك ، فلما أصبح بعث إليه أنوشروان : ما هذا أتستبيح عسكري البارحة ؟ فأرسل إليه : ما أسرع ما ضجرت ، قد فعل هذا بعسكري ثلاث مرات وأنما فعل بك مرة واحدة ! فبعث إليه أنوشروان : إن هذا عمل قوم يريدون أن يفسدوا بيننا وعندي رأي إن قبلته . فقال : وما هو ؟
قال : تدعني أبني حائطا بيني وبينك وأجعل عليه بابا فلا يدخل عليك إلا من تحب ولا يدخل علي إلا من أحب . فأجابه إلى ذلك وتحمل ومضى ، وأقام أنوشروان فأمر ، فبنى بالصخر والرصاص حائط عرضه ثلاثمائة ذراع حتى ألحقه برءوس الجباس وجعل عليه أبواب حديد فكان يحرسه مائة رجل بعد أن كان يحتاج إلى خمسة آلاف رجل ، فلما فرغ من السد وقيد الفند في البحر وأحكم الأمر سر سرورا شديدا فأمر أن ينصب على الفند سريره ويفرش له عليه ، ثم قام فرقى إليه وأغفى عليه ، فطلع طالع من البحر سد الأفق بطوله وأهوى نحو الفند ، فثار الأساورة إلى قسيهم ، فانتبه الملك فقال : ما شأنكم ؟ أمسكوا ، لم يكن اللّه جل وعز ليلهمني الشخوص عن وطني اثنتي عشرة سنة فأسد ثغرا يكون عزا لرعيتنا وردءا ومرتقى لعباده ثم يسلط علي دابة من دواب البحر . فتنحى الأساورة وأقبل الطالع نحو الفند ، فذكر الموبذ أن اللّه جل وعز أنطق ذلك الحيوان فقال : أيها الملك أنا ساكن من سكان هذا البحر وقد رأيت هذا الفند مشدودا سبع مرات وخرابا سبع مرات ، وأوحى اللّه جل وعز إلينا معشر سكان هذا البحر أن ملكا عصره عصرك وصورته صورتك يبعثه اللّه جل وعز يسد هذا الثغر إلى الأبد ، وأنت ذلك الملك ، فأحسن اللّه على البر معونتك . ثم غاب عن بصره كأنما غاب في البحر أو طار في الجو ، وسأل أنوشروان عند فراغه من ذلك السد من ذلك البحر ، فقيل : هو ثلاثمائة فرسخ في مثلها وبينه وبين بيضاء الخزر مسيرة أربعة أشهر على هذا الساحل ومن بيضاء الخزر إلى الفند الذي بناه أسفندياذ مسيرة شهرين . فقال أنوشروان : لا بدّ من الوقوف عليه والنظر إليه . قالوا :
أيها الملك إنه طريق لا يطمع في سلوكه لموضع فيه يقال له دهان شير ، يريد فم الأسد ، وفيه دردور لا يكاد تسلم فيه سفينة . قال أنوشروان : لا بد من ركوب هذا البحر والنظر إلى هذا السد . فقالوا : أيها الملك اتق اللّه في نفسك وفيمن معك ! فقال : أتوكل على اللّه الذي خلق هذا البحر وهو جل وعز ينجينا من دردوره ولا أحسب أني أمسح إيران شهر شرقه وغربه وأعرف عدد جباله وأوديته إلا بعد ركوب هذا البحر وسلوكه إلى البر . فهيئت له السفن وركب معه عدة من النساك حتى لججوا في البحر ووافوا ذلك الذي يعرف بدهان شير فدفعوا إلى دردور هائل فبقوا فيه متحيرين لا يرون منارا يجعلونه علما لهم ولا جبلا يقيمونه أمارة لمنصرفهم ، فرجعوا على الملك باللوم والعيب . فقال : أخلصوا نياتكم للّه جل وعز وتضرعوا إليه ، ففعلوا ، ونذر أنوشروان إن نجاه اللّه جل ذكره ليصدقن بخراج سبع سنين . قال : فرفعت له جزيرة تعلوها الأمواج وفوق الجزيرة أسد في عظم جبل يتشرب الماء مؤخره وينحط من فيه إلى ذلك
المحاسن والمساوئ — صفحة 99
مساهمون: ابراهيم بن محمد البيهقي
ص٩٩