تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحاسن والمساوئ — صفحة 102

مساهمون:

ص١٠٢
لك ذلك مع رفقك ويمنك ومشورتك ورأيك ، وما كان هذا كله إلا بصنع اللّه عز وجل وتدبيرك ، وليس أحد أشكر لصنيعك مني ، ومن ابن الأشعث وما خطره ! حتى عزم الحجاج على المضي إلى عبد الملك فأخرج عمارة معه ، فوفد عليه وعمارة يومئذ على أهل فلسطين أمير ، فلم يزل يلطف بالحجاج في مسيره ويعظمه حتى قدموا على عبد الملك ، فلما قامت الخطباء بين يديه وأثنت على الحجاج ، قام عمارة فقال : يا أمير المؤمنين سل الحجاج عن طاعتي ومناصحتي وبلائي . فقال الحجاج : يا أمير المؤمنين صنع وصنع ، ومن بأسه ونجدته وعفافه ومكيدته كذا وكذا ، هو أيمن الناس نقيبة وأعلمهم بتدبير وسياسة ، ولم يبق غاية في الثناء عليه . فقال عمارة : أرضيت يا أمير المؤمنين ؟ قال : نعم ، فرضي اللّه عنك ، حتى قالها ثلاثا في كلها يقول : قد رضيت ، فقال عمارة فلا رضي اللّه عن الحجاج يا أمير المؤمنين ولا حفظه ولا عافاه ! فهو واللّه السيئ التدبير الذي قد أفسد عليك أهل العراق وألب عليك الناس ، وما أتيت إلا من قلة عقله وضعف رأيه وقلة بصره بالسياسة ، ولك واللّه أمثالها إن لم تعزله ! فقال الحجاج : مه يا عمارة ! فقال : لا مه ولا كرامة يا أمير المؤمنين ، كل امرأة له طالق وكل مملوك له حر إن سار تحت راية الحجاج أبدا ! فقال عبد الملك : ما عندنا أوسع لك ، فلما انصرف عمارة إلى منزله بعث إليه الحجاج وقال : أنا أعلم أنه ما خرج هذا عنك إلا معتبعة ولك عندي الغنى ولك ولك . فأرسل إليه : ما كنت أظن أن عقلك على هذا . أرجع إليك بعد الذي كان من طعني وقولي عند أمير المؤمنين ! لا ولا كرامة لك . وعن الهيثم بن الحسن بن عمارة قال : قدم شيخ من خزاعة أيام المختار « 1 » فنزل على عبد الرحمن بن أبزي الخزاعي ، فلما رأى ما تصنع شيعة المختار به من الأعاظم له جعل يقول : يا عباد اللّه أبالمختار يصنع هذا ؟ واللّه لقد رأيته يبيع الإماء بالحجاز ! فبلغ ذلك المختار فدعا به فقال : ما هذا الذي يبلغني عنك ؟ قال : الباطل ، فأمر بضرب عنقه ، فقال : لا واللّه لا تقدر على ذلك ! قال : ولم ؟ قال : أما دون أن أنظر إليك وقد فتحت مدينة الدمشق حجرا حجرا وقتلت المقاتلة وسبيت الذّرّية ثم تصلبني على شجرة على نهر ! واللّه إني لأعرف الشجرة الساعة وأعرف شاطئ ذلك النهر ! قال : فالتفت المختار إلى أصحابه فقال لهم : أما إن الرجل قد عرف الشجرة ، فحبس حتى إذا كان الليل بعث إليه فقال : يا أخا خزاعة ومزاح عند القتال ! فقال : أنشدك اللّه أن أقتل ضياعا ! قال : وما تطلب هاهنا ؟ قال : أربعة آلاف درهم أقضي بها ديني . قال : ادفعوها إليه وإياك أن تصبح بالكوفة ، فقبضها وخرج .
هامش
( 1 ) المختار بن أبي عبيد الثقفي من مؤسسي فرقة الكيسانية ( 1 - 67 ه ) .
المحاسن والمساوئ — صفحة 102 | ابراهيم بن محمد البيهقي