الدردور ، فبينا هم كذلك إذ بعث اللّه جل جلاله سمكة عظيمة فطفرت حتى صارت في فيه الأسد ، فسكن الدردور ونفذت السفينة حتى وصل إلى ما أراد ثم انصرف إلى دار مملكته .
حماد قال : حدثني أبي قال : قال الأعشى في مدحه إياس بن قبيصة وذكره مسير إلى الروم حيث لقيه كسرى أبرويز بساتيدما ، وهو جبل يزعم أهل العلم أنه دون الجبال وأنه لا بد من أن يراق عليه دم كل يوم . قال الواقدي : بل هو محيط بالدنيا ، وزعموا أنه ليس في الأرض يوم إلا ويسفك عليه دم ، وإنما سمي بساتيدما معناه سيأتي دما ، فكان من خبر إياس بن قبيصة أن كسرى أبرويز كان رجلا سيئ الظن وأنه بعث شهربراز إلى الروم في جيش عظيم فأعطي من الظفر ما لم يعط أحد كان قبله ، وهو الذي أصاب خزائن الملك التي كانت تسمى كنج بادآورده ، أي الكنز الذي جاءت به الريح ، وكانوا حملوها ليحرزوها ، فضربتها الريح في الجزر من خليج البحر فأخذها وبعث بها إلى كسرى ، فحسده كسرى وحذره وبعث إليه برجل تقدم إليه في قتله ، وكان الذي أتاه رجل من أهل أذربيجان ، فلما رأى جماله وهيئته قال : لا يصلح قتل هذا في غير جرم ولا حق ، فأخبره بما أمره به ، فأرسل شهربراز إلى قيصر : إني أريد أن ألقاك . فالتقيا ، فقال له : إن هذا الخبيث قد أراد قتلي وإني واللّه لأريدن منه مثل الذي أراد مني ، فاجعل لي ما أطمئن إليه وأعطيك مثل ذلك ، ولئن قتلته لتجعلن لي ما أغلب عليه من الكور « 1 » وأجعل لك أن لا أغزوك أبدا ولا أتناول شيئا من أرضك وأن أعطيك من بيوت أموال كسرى مثل ما تنفق في مسيرك هذا ، فأعطاه قيصر ما سأل ، وسار قيصر في أربعين ألف مقاتل وخلف شهربراز في أرض الروم وقد أخذ منه العهود والمواثيق ، ولم يعلم كسرى بذلك حتى دنا منه قيصر ، فلما بلغه ذلك علم أن شهربراز علم بما كان دبره من قتله ، وكانت جنوده قد تفرقت في السواد وغيرها ، وكان كسرى قد أبغضه أهل مملكته وملوه وعرف حاله عند الناس ، فاحتال بحيل الرجال واستعمل المكر والدهاء فبعث إلى قس عظيم من النصارى يثق ملك الروم بقوله فقال : إني أكتب معك كتابا لطيفا في حرير وأجعله في قناة إلى شهربراز وجائزتك علي ألف دينار ، وقد عرف كسرى أن القس يذهب بالكتاب إلى الروم ، فكتب إلى شهربراز :
إني كتبت إليك وقد دنا قيصر مني وقد أحسن اللّه جل وعز إلى بصنيعك ونفوذ تدبيرك وقد فرقت لهم الجيوش وأنا تاركه حتى يدنو مني وأثب عليه وثبة أستأصل شأفته « 2 » بها ، وإذا كان ذلك اليوم وهو يوم كذا وكذا فأغر أنت علي من قبلك منهم فإنك تبيدهم وتهلكهم ، وأرجوا أن
هامش
( 1 ) الكور : جمع كورة وهي المدينة .
( 2 ) شأفته : الشأفة قرحة تخرج في القدم ، وقيل : أسفل القدم ، وفي الدعاء : استأصل اللّه شأفتهم ، وذلك أن الشأفة تكوى فتذهب .