تكون لملك قيصر مصطلما . فخرج القس بالكتاب حتى لقي قيصر ، وقد كانت صورت لقيصر أرض العرب والعراق وصورت له النهروان بغير حين المد ، فلما انتهى إليه في المد وليس عليه جسر وقرأ الكتاب من يد القس وقال : هذا هو الحق ، ورجع منهزما مفلولا وأتبعه كسرى بإياس بن قبيصة الطائي فأدركهم بساتيدما مرعوبين مفلولين من غير لقاء ولا قتال ، فقتلوا قتل الكلاب ونجا قيصر في خواص من أصحابه ، فمدح الأعشى إياس بن قبيصة وكان قد أصابه مرض فقال :
ما تعيف اليوم في الطّير الرّوح * من غراب البين أو تيس برح
جالسا في نفر قد أيسوا * في مقيل القدّ من صحب قزح
قال ابن الأعرابي وسأله حماد عن قوله : ما تعيف اليوم في الطير الروح ؟ فقال : تطير الأعشى من مرض إياس إلى الزجر والفأل فقال لنفسه ما تعيف منه ، أي ما تكره منه ، وهو آخر أمره إلى السلامة ، فرجع قيصر وقد اتهم شهربراز فلم يزل به حتى أمكنته الفرصة منه قتله وعامة رجاله وأفناهم .
قيل : ولما تشاغل عبد الملك بن مروان بما قتلة مصعب بن الزبير اجتمع وجوه الروم إلى ملكهم وقالوا له : قد أمكنتك الفرصة من العرب فقد تشاغل بعضهم ببعض ووقع بأسهم بينهم فالرأي أن تغزوهم في بلادهم فإنك تذلهم وتنال حاجتك منهم ، فنهاهم عن ذلك فأبوا عليه إلا أن يفعل ، فلما رأى ذلك دعا بكلبين فأرّش بينهما فاقتتلا قتالا شديدا ثم دعا بثعلب فخلاه بينهما ، فلما رأى الكلبان الثعلب تركا ما كانا فيه وأقبلا على الثعلب حتى قتلاه ، فقال ملك الروم : هكذا العرب تقتتل بينها فإذا رأونا وهم مجتمعون تركوا ذلك وأقبلوا علينا ، فعرفوا صدقه ورجعوا عما كانوا عليه .
وعن بكار بن ماهويه قال : قال كسرى أبرويز لمنجمه : كيف يكون أجلي ؟ فقيل له : تقتل .
فقال : واللّه لأقتلن قاتلي ! فأمر بسم فخلط في أدوية وكتب عليه : هذا دواء الجماع من أخذ منه وزن كذا جامع كذا مرة ، وصيره في خزانة الطب ، فلما قتله ابنه شيرويه فتش خزانة أبيه فمر بذلك السم فقال في نفسه : بهذا كان يقوى أبي على الجماع وعلى شيرين وغيرها ، فأخذ منه فمات من ساعته .
وعن الهيثم عن ابن عياش قال : كان الحجاج حسودا لا تتم له صنيعة حتى يفسدها ، فوجه عمارة بن تميم اللخمي إلى عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث فظفر به وصنع به ما صنع ورجع إلى الحجاج بالفتح فلم ير منه ما أحب وكره منافرته ، وكان عاقلا رفيقا ، فجعل يترفق به ويداريه ويقول : أنت أيها الأمير أشرف العرب فمن شرفته شرف ومن وضعته اتضع وما ينكر