أعدّ لها لمّا استجارت بقربه * غذاء من البان اللّقاح الغرائز
وأسمنها حتّى إذا ما تملأت * فرته بأنياب لها وأظافر
فقل لذوي المعروف هذا جزاء من * يجود بمعروف إلى غير شاكر
قيل : وأصاب أعرابي جرو ذئب فاحتمله إلى خبائه وقرب له شاة فلم يزل يمتص من لبنها حتى سمن وكبر ثم شد على الشاة فقتلها ، فقال الأعرابي :
غذتك شويهتي ونشأت عندي * فما أدراك أنّ أباك ذيب
فجعت نسيّة وصغار قوم * بشاتهم وأنت لهم ربيب
إذا غلبت طباع الشّر فيه * فليس غيرها فيه نصيب
ويروى : نشأت مع السخال وأنت جرو .
ويضرب المثل بسنمار ، وكان بني للنعمان بن المنذر الخورنق فأعجبه فكره أن يبني لغيره مثله فأمر به فرمي من أعلاه حتى مات ، فقيل فيه :
جعزتنا بنو سعد بحسن بلائنا * جزاء سنمّار ولم يك ذا ذنب
ويروى : وما كان ذا ذنب ، وفي المثل : سمن كلبك يأكلك . وقال بعضهم :
وإني وقيسا كالمسمّن كلبه * فخدّشه أنيابه وأظافره
محاسن الدهاء والحيل
ذكروا أنه لم يكن في ملوك العجم أدهى من كسرى أنوشروان ، وأن الخزر كانت تغير في سلطان فارس حتى تبلغ همذان والموصل ، فلما ملك أنوشروان كتب إلى ملكهم فخطب ابنته على أن يزوجه أيضا ابنته ويتوادعا ويتفرغا إلى سائر أعدائهما ، فأجابه إلى ذلك ، وعمد أنوشروان إلى جارية من جواريه نفيسة فزفها إلى صاحب الخزر وأهدى معها ما يشبه أن يهدى مع بنات الملوك وزف صاحب الخزر إلى أنوشروان ابنته ، فلما وصلت إليه قال لوزرائه : اكتبوا إلى صاحب الخزر لو التقينا وأكدنا المودة بيننا ، فأجابه إلى ذلك ووعده موضع الدرب ، فالتقيا فكانا يخلوان في لذاتهما ، ثم إن أنوشروان أمر قائدا من قواده أن يختار ثلاثمائة رجل من أشد أصحابه فإذا هدأت العيون أغار في ناحية من عسكر الخزر ، ففعل ذلك فلما أصبح بعث إليه صاحب الخزر : ما هذا ينهب عسكري البارحة ؟ فأنكر ذلك وقال : لم تؤت من قبلي . فأمهله أياما ثم عاد إلى مثلها ، ففعل ذلك ثلاث مرات في كل ذلك يعتذر إليه أنوشروان ويسأله البحث فيبحث فلا يقف على شيء ، فلما طال ذلك دعا صاحب الخزر بقائد من قواده وأمره بمثل