قيل : وكتب صاحب بريد همذان إلى المأمون بخراسان يعلمه أن كاتب البريد المعزول أخبره أن صاحبه وصاحب الخراج كانا تواطآ على إخراج مائتي ألف درهم من بيت المال واقتسماها بينهما ، فوقع المأمون : إنا نرى قبول السعاية شرا من السعاية ، فإن السعاية دلالة والقبول إجازة ، وليس من دل على شيء كمن قبله وأجازه ، فانف الساعي عنك فلو كان في سعايته صادقا فقد كان في صدقه لئيما إذ لم يحفظ الحرمة ولم يستر على أخيه .
قال : وقال المأمون لولده : يا بني نزهوا أقداركم وطهروا أحسابكم عن دنس الوشاة وتمويه سعايتهم فكل جان يده في فيه وليس يشي إليكم إلا أحد الرجلين ثقة وظنين ، أما الثقة فقد قيل إنه لا يبلغ ولا يشين بالوشاية قدره ، وأما الظنين فأهل أن يتهم صدقه ويكذب ظنه ويرد باطله ، وما سعى رجل برجل إلي قط إلا انحط من قدره عندي ما لا يتلافاه أبدا ، فلا تعطوا الوشاة أمانيهم فيمن يشون بهم ، فقد قال بعض الملوك لرجل سعى بآخر : لو كنت أنت أنا ما كنت صانعا به ؟ قال : كنت أقتله . فقال : أما إذا لم تكن أنت أنا فإني غير قاتله ومع ذلك فلا تدعوا الفحص عما يلقى إليكم مما تحذرون رجوع ضرره عليكم .
عوانة قال : قام رجل إلى سليمان بن عبد الملك فقال : يا أمير المؤمنين عندي نصيحة .
قال : وما نصيحتك هذه ؟ قال : كان فلان عاملا ليزيد والوليد وعبد الملك فخانهم فيما تولاه واقتطع أموالا جليلة فمر باستخراجها منه . فقال : أنت شر منه أخون حيث اطلعت على أمره وأظهرته ولولا أني أنفر أصحاب النصائح لعاقبتكم ، ولكن اختر مني خصلة من ثلاث . قال :
اعرضهن يا أمير المؤمنين . قال : إن شئت فتشت عما ذكرت فإن كنت صادقا مقتناك ، وإن كنت كاذبا عاقبناك ، وإن شئت أقلناك . قال : بل تقيلني يا أمير المؤمنين . قال : قد فعلت فلا تعودن بعدها إلى أن تظهر من ذي مروءة ما كتمه اللّه وستره .
محاسن الشكر
قال بعض الحكماء : صن شكرك عمن لا يستحقه واستر ماء وجهك بالقناعة .
وقال الفضل بن سهل « 1 » : من أحب الازدياد من النعم فليشكر ، ومن أحب المنزلة عند سلطانه فليكفه ، ومن أحب بقاء عزه فليسقط دالته ومكره ومن ذلك قول رجل لرجل شكره في معروف :
هامش
( 1 ) الفضل بن سهل السرخسي وزير المأمون وصاحب تدبيره توفي سنة ( 202 ه ) وقد مرت ترجمته سابقا .