هؤلاء القوم ومنتهم ، لا أستفيء إلا بظلها ولا أعرف غيرهم سادة ولا كبراء ولا أئمة ولا خلفاء ، فأردت أن أكفر هذه النعمة وأجحد هذا المعروف وأبايع رجلا ما امتحن للتقوى ولا أفاد علما للهدى ولا جرت له على ملّيّ ولا ذمي يد سالفة ولا نعمة سائرة ، افترى على اللّه جل ذكره ، ولو فعلت هذا الذي دعوتني إليه كنت ترضى به في مكارم الأخلاق وشكر المنعمين قال : فسكت الرجل ولم يحر جوابا ، وكان دعاه إلى بيعة ابن طباطبا . وقال بعضهم : إنه كان دسيس المأمون .
برون الكبير قال : وجه إلي المأمون وقد مضى من الليل الثلث فقال لي : يا برون قد أكثر علينا أصحاب الأخبار في أن شيخا يرد خرابات البرامكة فيبكيهم ويندبهم وينشد أبياتا من الشعر فاركب أنت وعلي بن محمد ودينار بن عبد اللّه حتى تردوا هذه الخرابات فتصيروا من وراء جدرانها فإذا رأيتم الشيخ قد ورد وبكى وأنشد فأتوني به . قال برون : فركبت مع القوم حتى وردنا الخرابات ، وإذا الخادم قد أتي معه زلّيّة رومية وكرسي جديد ، وإذا شيخ وسيم جميل له صلعة وهامة فجلس يبكي يقول :
ولمّا رأيت السّيف قد قد جعفرا * ونادى مناد للخليفة في يحيى
بكيت على الدّنيا وأيقنت أنّه * قصارى الفتّى يوما مفارقة الدّنيا
أجعفر إن تهلك فربّ عظيمة * كشفت ونعمى قد وصلت بها نعمى
فقل للّذي أبدى ليحيى وجعفر * شماتته أبشر لتأتيهم العقبى
لئن زال غصن الملك عن آل برمك * فما زال حتى أثمر الغصن واستعلى
وما الدّهر إلّا دولة بعد دولة * تبدّل ذا ملك وتعقب ذا بلوى
على أنّها ليست تدوم لأهلها * ولو أنّها دامت لكنتم بها أولى
بني برمك كنتم نجوما مضيئة * بها يهتدي في ظلمة الليل من أسرى
لأيّكم أبكي أللفضل ذي النّدى * أم الشّيخ يحيى أم لمحبوسه موسى
أم الملك المصلوب من بعد عزّة * أم أبكي بكاء المعولات أم الثكلى
لكلّكم أبكي بعين غزيرة * وقلب قريح لا يموت ولا يحيا
قال : فتراءينا له ثم قبضنا عليه ، فجزع وفزع وقال : من القوم ؟ فقال برون : أنا حاجب أمير المؤمنين وهذا فلان وفلان . قال : وما الذي تريدون ؟ قال برون : فأعلمته ما أمر أمير المؤمنين من أخذه إلى مجلسه . قال : ذرني أوص فإني لا آمنه ، ثم تقدم إلى بعض العلافين في فرضة الفيل فأخذ بياضا وأوصى فيه وصية خفيفة ودفعها إلى الغلام وسرنا به ، فلما مثل بين يدي المأمون زبره وقال : من أنت وبما ذا استوجب البرامكة ما تفعله في دورهم ؟ قال : يا أمير