بأخيه العباس وقال له : إن الوزير أمرني بالقصف على هذا الفتى وقد علمت تشاغلي في دار أمير المؤمنين فاقبض عليه وقاصفه ، فلما كان من غد تسلمني أحمد ، ثم لم أزل وأيدي القوم تتداولني عشرة أيام لا أعرف خبر عيالي وصبياني في الأموات هم أم في الأحياء ، فلما كان في اليوم العاشر دفعت في يدي الفضل فقصف علي ، فلما كان في الحادي عشر جاءني خادم مع عشرة من الخدم فقالوا : قم عافاك اللّه فأخرج إلى عيالك بسلام . فقلت : وا ويلاه سلبت الدنانير والصينية وقد تمزقت ثيابي واتسخت وأخرج على هذه الحالة ! إنا للّه وإنا إليه راجعون ! فرفع لي الستر الأول والثاني والثالث والرابع والخامس والسادس ، فقبل أن رفع السابع قال لي الخادم : تمن ما شئت ، ورفع لي ستر عن حجرة كالشمس استقبلني منها رائحة العود والند ونفحات المسك ، وإذا أنا بصبياني يتقلبون في الحرير والديباج وأنا قد حمل إلي ألف ألف درهم مبدرة وعشرة آلاف دينار وقبالتين بضيعتين وتلك الصينية مع الدنانير والبنادق ، فبقيت يا أمير المؤمنين مع البرامكة في دورهم ثلاث عشرة سنة لا يعلم الناس أمن البرامكة أنا أم من بيت نار النوبهار أو رجل غريب اصطنعوني ، فلما جاء القوم البلية ونزلت بهم من الرشيد النازلة قصدني عمرو بن مسعدة وألزمني من الخراج في هاتين الضيعتين ما لا يفي دخلهما به ، فلما تحامل علي الدهر كنت أنظر إلى خرابات القوم فأندبهم . فقال المأمون : علي بعمرو بن مسعدة ، فلما أتي به قال له : يا عمرو أتعرف الرجل ؟ قال : نعم هو من بعض صنائع البرامكة .
قال : كم ألزمته في ضيعته ؟ قال : كذا وكذا . قال : رد عليه كل ما استأديته إياه في سنيه وأوغر ضيعتيه تكونان له ولعقبه من بعده ، فعلا نحيب الرجل بالبكاء يرثي البرامكة ، فلما طال بكاؤه قال له المأمون : فمم بكاؤك وقد أحسنا إليك ؟ قال : يا أمير المؤمنين هذا أيضا من صنائع البرامكة ، أرأيتك يا أمير المؤمنين لو لم آت خرابات القوم فأبكيهم وأندبهم حتى اتصل خبري بأمير المؤمنين ففعل بي ما فعل من أين كنت أصل إلى ما وصلت إليه ؟ قال إبراهيم بن ميمون :
فلقد رأيت المأمون وقد دمعت عينه واشتد حزنه على القوم وقال : صدقت لعمري هذه أيضا من صنائعهم ، فعليهم فابك وإياهم فاشكر !
مساوئ قلة الوفاء والسعاية
يقال : إن رجلا رفع رقعة إلى عمر بن الخطاب ، رحمه اللّه يسعى فيها ببعض أصحابه ، فوقع فيها : تقربت إلينا بما باعدك من الرحمن ولا ثواب لمن آثر عليه .
قيل : ورفع منتصح رقعة إلى عبد الملك بن مروان ، فوقع فيها : إن كنت كاذبا عاقبناك ، وإن كنت صادقا مقتناك ، وإن استقلتنا أقلناك . فاستقاله الرجل .