وأحسن من ذلك كله قول رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، وقد أتاه أعرابي فقال : بأبي أنت وأمي أكرم الناس حسبا ! فقال : « أحسنهم خلقا وأفضلهم تقوى » ، فانصرف الأعرابي . فقال : « ردّوه » ثم قال : « يا أعرابي لعلك أردت نسبا ؟ »
قال : نعم . قال : « يوسف صدّيق اللّه بن يعقوب إسرائيل اللّه بن إسحاق ذبيح اللّه بن إبراهيم خليل اللّه فأين مثل هؤلاء الآباء في جميع الدنيا ! ما كان فيها مثلهم أبدا » وقال الشاعر :
ولم أر كالأسباط والد * ولا كأبيهم والدا حين ينسب
ودخل عيينة بن حسن الفزاري على النبي صلى اللّه عليه وسلم ، فانتسب ثم قال : أنا ابن الأشياخ الأكارم ، فقال صلى اللّه عليه وسلم : « أنت إذا يوسف صدّيق اللّه بن يعقوب إسرائيل اللّه بن إسحاق ذبيح اللّه بن إبراهيم خليل اللّه » ، وقال صلى اللّه عليه وسلم : « خير البشر آدم ، عليه السلام ، وخير العرب محمد صلى اللّه عليه وسلم ، وخير الفرس سلمان ، وخير الروم صهيب ، وخير الحبشة بلال » رحمهم اللّه أجمعين .
مساوئ الافتخار
روي عن ابن عباس قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « لا تفخروا بآبائكم في الجاهلية ، فوالذي نفسي بيده لما يد حرج الجعل « 1 » بأنفه خير من آبائكم الذين ماتوا في الجاهلية » « 2 » . قيل : وكان الحسن البصري يقول : ابن آدم لم تفتخر وإنما خرجت من مسيل بولين نطفة مشجت بأقذار ؟ .
وقال بعضهم لرجل يتبختر : يا هذا إن أولك نطفة قذرة وآخرك جيفة منتنة وأنت فيما بينهما وعاء عذرة فما هذه المشية ؟ قال : وقيل لعامر بن قيس : ما تقول في الإنسان ؟ قال ما أقول فيمن إن جاع ضرع وإن شبع طغى .
وروي عن ابن عباس أنه قال : يتفاضلون في الدنيا بالشرف والبيوتات والإمارات والعتاق والجمال والهيئة والمنطق ويتفاضلون في الآخرة بالتقوى واليقين ، فأتقاهم أحسنهم يقينا وأزكاهم عملا وأرفعهم درجة أعقلهم ، وقيل في ذلك :
يزين الفتى في النّاس صحة عقله * وإن كان محظورا عليه مكاسبه
يشين الفتى في النّاس قلّة عقله * وإن كرمت آباؤه ومناسبه
هامش
( 1 ) الجعل ما جعله له على عمله كالأجرة على العمل .
( 2 ) أخرجه الهيثمي في مجمع الزوائد في باب من افتخر بأهل الجاهلية ، ص 85 ، ج 8 ، وابن حبان في صحيحه رقم الحديث ( 1943 ) .