الكرام . فلما كان من الغد أتاها معاوية فسلم عليها ، فقالت : على المؤمنين السلام وعلى الكافرين الهوان . ثم قالت : من منكم ابن العاص ؟ قال عمرو : ها أنا ذا . فقالت : وأنت تسب قريشا وبني هاشم وأنت أهل السب وفيك السب وإليك يعود السب يا عمرو ! إني واللّه لعارفة بعيوبك وعيوب أمك ، وإني أذكر لك ذلك عيبا عيبا ، ولدت من أمة سوداء مجنونة حمقاء تبول من قيام ويعلوها اللئام ، إذا لامسها الفحل كانت نطفتها أنفذ من نطفته ، ركبها في يوم واحد أربعون رجلا ، وأما أنت فقد رأيتك غاويا غير راشد ومفسدا غير صالح ، ولقد رأيت فحل زوجتك على فراشك فما غرت ولا أنكرت ، وأما أنت يا معاوية فما كنت في خير ولا ربيت في خير فما لك ولبني هاشم ، أنساء بني أمية كنسائهم أم أعطى أمية ما أعطى هاشم في الجاهلية والإسلام ؟ وكفى فخرا برسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فقال معاوية : أيتها الكبيرة أنا كافّ عن بني هاشم .
قالت : فإني أكتب عليك عهدا ، كان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، دعا ربه أن يستجيب لي خمس دعوات فأجعل تلك الدعوات كلها فيك . فخاف معاوية وحلف لها أن لا يسب بني هاشم أبدا . فهذا آخر ما كان بين معاوية وبني هاشم من المفاخرة ، واللّه أعلم .
محاسن مجالس أبي العباس السفاح في المفاخرة
قيل : كان أبو العباس يطيل السهر ويعجبه الفصاحة ومنازعة الرجال ، فسهر ذات ليلة وعنده أناس من مضر وفهر وفيهم خالد بن صفوان بن الأهتم التميمي وناس من اليمن فيهم إبراهيم بن مخرمة الكندي ، فقال أبو العباس : هاتوا واقطعوا ليلتنا بمحادثتكم . فبدأ إبراهيم بن مخرمة وقال : يا أمير المؤمنين إن أخوالكم هم الناس وهم العرب الأول الذين دانت لهم الدنيا وكانت لهم اليد العليا ، ما زالوا ملوكا وأربابا ، توارثوا الرئاسة كابرا عن كابر وآخرا عن أول ، يلبس آخرهم سرابيل أوّلهم ، يعرفون بيت المجد ومآثر الحمد ، منهم النعمانات والمنذرات والقابوسات ، ومنهم غسيل الملائكة ، ومنهم من اهتزّ لموته العرش ، ومنهم مكلم الذئب ، ومنهم من كان يأخذ كل سفينة غصبا ويحوي في كل نائبة نهبا ، ومنهم أصحاب التيجان وكماة الفرسان ، ليس من شيء وإن عظم خطره وعرف أثره من فرس رائع وسيف قاطع أو مجن واق أو درع حصين أو درة مكنونة إلا وهم أربابها وأصحابها ، إن حل ضيف أقروه ، وإن سألهم سائل أعطوه ، لا يبلغهم مكاثر ولا يطاولهم مطاول ولا مفاخر ، فمن مثلهم يا أمير المؤمنين ؟ البيت يمان والحجر يمان والركن يمان والسيف يمان . فقال أبو العباس : ما أرى مضر تقول بقولك هذا وما أظن خالدا يرضى بذلك . فقال خالد : إن أذن أمير المؤمنين وأمنت المؤاخذة تكلمت . فقال أبو العباس : تكلم ولا ترهب أحدا . فقال خالد : يا