الفراشين ، لا المضطر إليهم عرفوه ولا الظاعن عنهم فقدوه ، وليت شعري بأي قدم تتعرض للرجال وبأي حسب تبارز عند النضال ، أبنفسك فأنت الوغد الزنيم أم بمن تنتمي إليه ، فأهل السفه والطيش والدناءة في قريش ، لا بشرف في الجاهلية شهروا ، ولا بقديم في الإسلام ذكروا ، غير أنك تتكلم بغير لسانك ، وتنطق بغير أركانك ، واللّه لكان أبين للفضل وأطهر للعدوان أن ينزلك معاوية منزلة البعيد السحيق ، فإنه طالما سلس داؤك ، وطمح بك رجاؤك إلى الغاية القصوى التي لم يخضر بها رعيك ولم يورق بها غصنك . قال : عبد اللّه بن جعفر :
أقسمت عليك لما أمسكت فإنك عني ناضلت ولي فاوضت . قال ابن عباس : دعني والعبد فإنه قد كان يهدر خاليا إذ لا يجد مراميا ، وقد أتيح له ضيغم شرس ، وللأقران مفترس ، وللأرواح مختلس . فقال عمرو بن العاص : دعني يا أمير المؤمنين انتصف منه فو اللّه ما ترك شيئا . قال ابن عباس : دعه فلا يبقي المبقي إلا على نفسه ، فو اللّه أن قلبي لشديد ، وإن جوابي لعتيد ، وباللّه الثقة ، فإني كما قال نابغة بني ذبيان :
وقبلك ما قذعت « 1 » وقاذعوني * فما نزر الكلام ولا شجاني
يصدّ الشّاعر العرّاف عنّي * صدود البكر عن قرم هجان
محاسن كلام غانمة بنت غانم في شرف بني هاشم وفخرهم
قيل : ولما بلغ غانمة بنت غانم سب معاوية وعمرو بن العاص بني هاشم قالت لأهل مكة :
أيها الناس إن قريشا لم تلد من رقم ولا رقم ، سادت وجادت ، وملّكت فملكت ، وفضّلت ففضلت ، واصطفيت فاصطفت ، ليس فيها كدر عيب ولا أفن ريب ، ولا حشروا طاغين ولا حادوا نادمين ، ولا المغضوب عليهم ولا الضالين ، إن بني هاشم أطول الناس باعا وأمجد الناس أصلا وأحلم الناس حلما وأكثر الناس عطاء ، منا عبد مناف الذي يقول فيه الشاعر :
كانت قريش فتفلّقت * فالمحّ خلصها لعبد مناف
وولده هاشم الذي هشم الثريد لقومه ، وفيه يقول الشاعر :
هشم الثّرد لقومه وأجارهم * ورجال مكّة مسنتون عجاف
ثم منّا عبد المطلب الذي سقينا به الغيث ، وفيه يقول الشاعر :
ونحن سنيّ المحل قام شفيعنا * بمكّة يدعو والمياه تغور
وابنه أبو طالب عظيم قريش ، وفيه يقول الشاعر
هامش
( 1 ) القذع الفحش وأقذعه إقذاعا رماه بالفحش .