فاستقبله الناس وأظهروا بره . وأقبل جبلة حتى دخل على عمر ، رضي اللّه عنه ، فقرب مجلسه وأدناه ووعده من نفسه خيرا ، فأسلم وأقام بالمدينة حتى إذا حضر أوان الموسم حج عمر رحمه اللّه ، وخرج معه جبلة ، فبينا هو يطوف بالبيت محرما وعليه إزاران قد تردى بواحد واتزر بالآخر إذ وطئ رجل طرف إزاره فانحل عنه حتى بدت عورته ، فغضب ووثب على الرجل فلطمه ، فتعلق به الرجل وجماعة معه وانطلقوا به إلى عمر ، رضي اللّه عنه ، وشهدوا عليه .
فقال عمر : أقد الرجل أو استوهبه منه .
فقال جبلة : وكذلك هذا الدين لا يفضل فيه شريف على وضيع ولا ملك على سوقة ؟
قال عمر : قال اللّه تعالى ، وقوله الحق :
إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكُمْ
[ الحجرات : 13 ] ، إن الناس شريفهم ووضيعهم في الحق سواء .
فانصرف جبلة ، فلما جن عليه الليل خرج في حشمه وعياله حتى لحقوا بأرض الشام مرتدا عن الإسلام ، فكتب عمر إلى أبي عبيدة بن الجراح فأمره أن يستتيب جبلة فإن تاب وإلا ضرب عنقه ، وبلغ ذلك جبلة فخرج من أرض الشام حتى دخل أرض الروم وأتى الملك فأخبره بأمره ورجوعه إلى النصرانية ، فسر الملك بقدومه واستخلفه على ملكه وجعله جائز الأمر في سلطانه ، فأقام عنده ، فلما ولي معاوية بن أبي سفيان بعث رجلا من الأنصار يقال له تميم بن بشر إلى قيصر ملك الروم في بعض أموره ، قال تميم : فلما دخلت على قيصر أبلغه الرسالة وجلست عنده فحدثني مليا .
ثم قال : هل لك في لقاء رجل من العرب من أهل بيت الملك ؟ فقلت : ومن هو ؟ قال :
جبلة بن الأيهم .
قلت : إن لي في ذلك أملا وإني لرجل من قومه ، فبعث معي رجلا حتى أدخلني عليه وهو في مجلس له يغشى العيون حسنه وكثرة تصاويره ، مطلية حيطانه بماء الذهب والفضة ، يتلألأ تلألؤا ، وحوله نفر من بطارقة الروم ، فسألني من أنا ، فانتسبت له ، فقال : حياك اللّه فإننا بنو عم .
ثم أمر جلساءه فخرجوا من عنده وخلا بي يسألني عن العرب وأماكنها ، فخبرته بجميع ما سألني عنه ، فبكى حتى اخضلت لحيته الدموع ثم أنشأ يقول :
تنصرت بعد الدين من عار لطمة * وما كان فيها لو صبرت لها ضرر
تكنّفني منها لجاج « 1 » ونخوة * فبعت بها العين الصّحيحة بالعور
ويا ليت أمّي لم تلدني وليتني * ثويت أسيرا في ربيعة أو مضر
هامش
( 1 ) لجاج : التمادي في الأمر وعدم الانصراف عنه .