ويا ليتني أرعى المخاض بقفرة * ولم أنكر القول الذي قاله عمر
ويا ليت لي بالشّام أدنى معيشة * أجالس قومي في العشيّات والبكر
أدين لما دانوا به من شريعة * وقد يجلس العير الضجور على الدّبر
قال : ثم دعا بغدائه فتغدينا ، فلما فرغنا خرجت علينا جاريتان في يد إحداهما بربط « 1 » وفي يد الأخرى مزمار فجلستا ، ثم خرجت علينا جاريتان في يد إحداهما جام في مسك مسحوق وفي يد الأخرى جام مملو ماء ورد ، ثم أقبل طائران كانا شبيهين بطاؤوسين أو تدرجين فسقطا في الجام واحتملا المسك بجناحيهما فرشاة علينا ، وقال جبلة للمغنيتين :
غنيانا ، فغنتاه :
لمن الدّار أقفرت بمعان * بين أعلى اليرموك فالمسربان
ذاك مغنى لآل جفنة في الدّه * ر وحقّ تصرّف الأزمان
قد أراني هناك حقا مكينا * عند ذي التّاج مقعدي ومكاني
قال : ثم بكى حتى اخضلت دموعه لحيته ، ثم قال : غنّياني فغنّتاه :
للّه درّ عصابة نادمتهم * يوما بجلّق في الزّمان الأول
أولاد جفنة حول قبر أبيهم * قبر ابن مارية الكريم المفضل
يسقون من هبط البريص « 2 » عليهم * بردى يصفّق بالرّحيق السّلسل
يغشون حتى ما تهرّ كلابهم * لا يسألون عن السّواد المقبل
بيض الوجوه كريمة أحسابهم * شمّ الأنوف من الطّراز الأوّل
ثم قال لي : ما فعل ابن الفريعة ؟ يعني حسان بن ثابت . قلت : حي إلا أنه كف بصره .
فوجد من ذلك وجدا شديدا وبكى وقال لخادم له : انطلق فاتني بأربعمائة دينار ، فأتاه بها ، فناولنيها وقال : أوصلها إلى حسان .
ثم ودعته وخرجت حتى أتيت معاوية فأخبرته بجواب رسالة قيصر ثم سرت من الشام حتى أتيت المدينة ولقيت حسان ودفعت إليه الدنانير ، فقال :
إن ابن جفنة من بقية معشر * لم يغذهم آباؤهم باللّوم
لم ينسني بالشأم إذ هو ربّها * يوما ولا متنصرا بالروم
يعطي الجزيل فما يراه عنده * إلا كبعض عطية المذموم
ما جئته إلا وقرّب مجلسي * ودعا بأفضل زاده المطعوم
هامش
( 1 ) البربط : الآلة الموسيقية المعروفة بالعود .
( 2 ) البريص : نهر في دمشق .