تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحاسن والمساوئ — صفحة 54

مساهمون:

ص٥٤
يمينه وشمعة عن يساره ، وعليه معصفرتان كأنهما قطرتا دم وإزار ورداء وقد نفش جمته كأنها برس « 1 » فصعد المنبر فحمد اللّه وأثنى عليه ثم قال : أما بعد يا أهل الشام فإنه كتب إلي عثمان بن محمد بن أبي سفيان أن أهل المدينة أخرجوا قومنا من المدينة ، وو اللّه لأن تقع الخضراء على الغبراء أحب إلي من هذا . قال : وكان معاوية أوصى يزيد : إن رابك من قومك ريب أو انتقض عليك منهم أحد فعليك بأعور بني مرة فاستشره ، يعني مسلم بن عقبة . فلما كان تلك الليلة قال : أين مسلم بن عقبة ؟ فقام فقال : ها أنا ذا ، قال : كن معي . فجعل يزيد يعبي الجيوش ، وكان ابن سنان نازلا على مسلم ، فقال له : أمير المؤمنين قد بعثني إلى المدينة ومكة . قال : استعفه . قال : فاركب فيلا أو فيلة وتكنّ أبا يكسوم . فمرض مسلم قبل خروجه من الشام ، فدخل عليه يزيد بن معاوية فقال : قد كنت وجهتك لهذا البعث وأراك مدنفا ؟ فقال : يا أمير المؤمنين أنشدك اللّه أن تحرمني أجرا ساقه اللّه إلي ، أنما هو أمر خفيف وليس علي من بأس ! قال : فلم يطق من الوجع أن يركب بعيرا ولا دابة ، قال : فوضع على سرير وحمله الرجال على أعناقهم حتى جاءوا به مكانا يقال له البتراء « 2 » ، فأراد النزول به ، فقال : ما اسم هذا المكان ؟ قيل : البتراء . قال : لا تنزلوا به . فنزلوا بقهر ثم ارتحلوا حتى نزلوا الحرة ، فأرسل إلى أهل المدينة أن أمير المؤمنين يقرأ عليكم السلام ويقول : أنتم الأصل والعشيرة فاتقوا اللّه واسمعوا وأطيعوا فإن لكم في عهد اللّه وميثاقه عطاءين في كل سنة : عطاء في الشتاء وعطاء في الصيف ، ولكم عندي في عهد اللّه أن أجعل سعر الحنطة عندكم سعر الخبط ، والخبط يومئذ سبعة أصوع بدرهم . فقالوا : نخلعه كما نخلع عمائمنا ونعالنا . فقاتلهم فهزمهم وقتل عبد اللّه بن حنظلة وابن حزم وبضعة عشر رجلا من الوجوه وتسعون رجلا من قريش وبضعة وسبعون رجلا من الأنصار ، وقتل من سائر الناس نحو أربعة آلاف رجل ، وقتل ابنان لعبد اللّه بن جعفر ، وقتل أربعة من ولد زيد بن ثابت ، وقال مسلم لعبد اللّه بن جعفر : اخرج عن المدينة لا يقع بصري عليك . وأنهب المدينة ثلاثا ، فقتل الناس وضجت النساء وذهبت الأموال ، فلما فرغ مسلم من القتال انتقل إلى قصر ابن عامر فدعا أهل المدينة ليبايعوه ، وكان ناس منهم قد تحصنوا في عرصة سعيد ، منهم : محمد بن أبي جهم ونفر معه ، فدعاهم للبيعة ، فقال : تبايعون لعبد اللّه يزيد أمير المؤمنين على أنكم خوله مما أفاء اللّه عليه بأسياف المسلمين إن شاء وهب وإن شاء أعتق وإن شاء استرق ؟ فبايعه ناس منهم على ذلك ، وجاء عمرو بن عثمان بن بيزيد بن عبد اللّه بن زمعة ، وجدته أم سملة زوج النبي صلى اللّه عليه وسلم ، وكان عمرو بن عثمان
هامش
( 1 ) البرس : القطن . ( 2 ) البتراء : اسم مدنية بالأردن .