تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحاسن والمساوئ — صفحة 41

مساهمون:

ص٤١
بالرسول وعلم بالتنزيل وفقه في التأويل وصبر عند النزال ومقاومة الأبطال ، وكان ألد إذا أعضل ، ذا رأي إذا أشكل . قيل : ودخل ابن عباس على معاوية فقال : يا ابن عباس صف لي عليا ، قال : كأنك لم تره ؟ قال : بلى أحب أن أسمع منك فيه مقالا ، قال : كان أمير المؤمنين ، رضوان اللّه عليه ، غزير الدمعة طويل الفكرة ، يعجبه من اللباس ما خشن ومن الطعام ما جشب ، يدنينا إذا أتيناه ويجيبنا إذا دعوناه ، وكان مع تقربته إيانا وقربه منا لا نبدأه بالكلام حتى يبتسم فإذا هو تبسم فعن مثل اللؤلؤ المنظوم ، أما واللّه يا معاوية لقد رأيته في بعض مواقفه وقد أرخى الليل سدوله وغارت نجومه وهو قابض على لحيته يبكي ويتململ تململ السليم وهو يقول : يا دنيا إياي تغرين ؟ أمثلي تشوقين ؟ لا حان حينك بل زال زوالك ، قد طلقتك ثلاثا لا رجعة فيها ، فعيشك حقير وعمرك قصير وخطرك يسير آه آه من بعد السفر ووحشة الطريق وقلة الزاد ! قال : فأجهش معاوية ومن معه بالبكاء . وقال خزيمة بن ثابت ذو الشهادتين يصف محاسن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ومن حضره ، كرم اللّه وجهه ، في قصيدة له :
رأوا نعمة للّه ليست عليهم * عليك وفضلا بارعا لا تنازعه فعضّوا من الغيظ الطويل أكفّهم * عليك ومن لم يرض فاللّه خادعه من الدين والدنيا جميعا لك المنى * وفوق المنى أخلاقه وطبائعه
وروي أن عدي بن حاتم دخل على معاوية بن أبي سفيان فقال : يا عدي أين الطرفات ؟ يعني بنيه طريفا وطارفا وطرفة . قال : قتلوا يوم صفين بين يدي علي بن أبي طالب ، رضي اللّه عنه . فقال : ما أنصفك ابن أبي طالب إذ قدم بنيك وأخر بنيه ! فقال : بل ما أنصفت أنا عليا إذ قتل وبقيت ! قال : صف لي عليا . فقال : إن رأيت أن تعفيني . قال : لا أعفيك . قال : كان واللّه بعيد المدى وشديد القوى ، يقول عدلا ويحكم فضلا ، تتفجر الحكمة من جوانبه والعلم من نواحيه ، يستوحش من الدنيا وزهرتها ويستأنس بالليل ووحشته ، وكان واللّه غزير الدمعة طويل الفكرة ، يحاسب نفسه إذا خلا ويقلب كفيه على ما مضى ، يعجبه من اللباس القصير ومن المعاش الخشن ، وكان فينا كأحدنا يجيبنا إذا سألناه ويدنينا إذا أتيناه ، ونحن مع تقريبه لنا وقربه منا لا نكلمه لهيبته ولا نرفع أعيننا إليه لعظمته ، فإن تبسم فعن اللؤلؤ المنظوم ، يعظم أهل الدين ، يتحبب إلى المساكين ، لا يخاف القوي ظلمه ولا ييأس الضعيف من عدله ، فأقسم لقد رأيته ليلة وقد مثل في محرابه وأرخى الليل سرباله وغارت نجومه ودموعه تتحادر على لحيته وهو يتململ تململ السليم ويبكي بكاء الحزين ، فكأني الآن أسمعه وهو يقول : يا دنيا