حتّى متى أنا في حلّ وترحال * وطول همّ بإدبار وإقبال
ونازح الدّار لا ينفكّ مغتربا * عن الأحبّة لا يدرون ما حالي
في مشرق الأرض طورا ثمّ مغربها * لا يخطر الموت من حرصي على بالي
ولو قنعت أتاني الرّزق في دعة * إنّ القنوع الغنى لا كثرة المال
وذكروا أنّ أبا دلف لمّا ولي الشام طال مقامه فحنّ إلى وطنه فكتب إلى يزيد بن مخش :
أيزيد طالت غربة ومقام * وبكا فأسعده البكاء حمام
أيزيد هل من مطمع في أوبة * لمتيّم طالت به الأيّام
لعب الفراق بنومه فأفاته * طيب الكرى فدموعه تسجام
ما نام عنه وإن رقدتم شوقه * والشّوق يسري والعيون نيام
والشّوق ألزمه البكاء فنفسه * حرّى وأذبل جسمه التّهمام « 1 »
يا طائفا أهدى السّلام إلى فتى * تهدي إليّ سلامك الأحلام
أنّى وكيف ينام صبّ هائم * أفضت إليه بسرّه الأقلام
يا جانب الأهواز جادك وابل * وسقاك من ديم الرّبيع رهام « 2 »
كم فيك من شجن ومأنس وحشة * ومحبّب تشفى به الأسقام
فلئن أحلّكما الزّمان ببلدة * من دونها القفرات والآكام
وشواهق تزع السّحاب شوامخ * ليست وإن دأب المطيّ ترام
. . . أرى الأيّام تمع بيننا * والدّهر فيه مسرّة وغرام
أيزيد ساعدك الزّمان وخاننا * والدّهر ليس لحالتيه دوام
تمسي ضجيع خريدة ومضاجعي * عضب حديد الشّفّرتين حسام
وتجرّ أذيال النّعيم مرفّلا * وأظلّ يكسوني الشّجوب قتام
متسربلا حلق الحديد يحفّني * لجب يضيق به الفضاء لهام
من كلّ أشعث في الحديد مقنّع * ذرب الحسام كأنّه ضرغام
والحرب حرفتنا وليست حرفة * إلّا لمن هو في الوغى مقدام
نعري السّيوف فلا تزال عريّة * حتّى تكون جفونهنّ الهام
ما للزّمان اعتاقنا من بينكم * فجرت علينا للزّمان سهام
يا ليته إذ لم يدم إحسانه * أن لا يكون لما أساء دوام
هامش
( 1 ) مأخوذة من تهم الرجل إذا ظهر عجزه وتحير .
( 2 ) الرّهمة بالكسر المطر الضعيف .