قد أكلوا الوحش فلم يشبعهم * وشربوا الماء فطال شربهم
وامتذقوا المذق فيا دنياهم * والمضغ إن نالوه فهو حسّهم
لا يعرفون الخير إلّا ذكره * والدّهر هيهات فليس عندهم
وما رأوا فاكهة في عيصها * ولا رأوها وهي تهوي نحوهم
وما لهم من كاسب علمته * على جديد الأرض غير جحشهم
وجحشهم قد بت منهوب القرى * ومثل أعواد الشّكاعى « 1 » كلبهم
كأنّني فيهم وإن وليتهم * كانوا مواليّ وكنت عبدهم
مجتهدا بالنّصر لا آلوهم * أدعو لهم يا ربّ سلّم أمرهم
وتارة أقول ممّا قد أرى * يا ربّ باعدهم وباعد دارهم
يأوون باللّيل إذا ما أحرجوا * إلى ذرى اللّهيم وهي قدرهم
بها يطوفون إذا ما اجرنثموا * وهي أبوهم عندهم وأمّهم
زغب الرّءوس قرعت هاماتهم * من البلاء واسمأدّ سمعهم
بل لو تراهم لعلمت أنّهم * قوم مساغيب قليل نومهم
وكالسّعالي في مسوكها . . . * فلو يعضّون لذكّى سمّهم
قد جرّسوا الدّهر وقد بلاهم * هذا وهذا دأبه ودأبهم
ولا يعيشون بعيش سابغ * ولا يموتون وذاك قصرهم
وقد رجونا يا ابن سهل نائلا * منك يرمّ فقرهم وبؤسهم
فإنّما أنت حيا أمثالهم * فجد لهم بنائل لا تنسهم
وأسد نعماك إليهم واتّخذ * حمدا وشكرا كلّ ذاك عندهم
هذا وأنت قد حرمت حظّهم * فلا تجودنّ لخلق بعدهم
فقال له الحسن : سل ما شئت وتمنّ ما أحببت ، فلو خرجت إليك من ملكي كلّه ما كافأتك . فقال : تشتري لي غنيمات وتردّني إلى البادية . فقال : تحنّ إلى مكان تصفه بهذه الصفة . قال : الوطن الوطن . فاشترى له ألف شاة وأعطاه عشرين ألف درهم وردّه إلى وطنه .
وممّا قيل فيمن كره الغربة قال ابن أبي السّرج : قرأت على حائط خان بالأهواز :
إنّ الغريب ولو يكون ببلدة * يجبى إليه خراجها لغريب
وأقلّ ما يلقى الغريب من الأذى * أن يستذلّ وقوله مكذوب
هامش
( 1 ) الشكاعى شجرة صغيرة ذات شوك .