فمضى ، وقال إياس للمطلوب منه : اجلس حتى يرجع صاحبك ، فجلس وإياس يقضي وينظر إليه بين كل ساعة ثم قال : ترى صاحبك بلغ موضع الشجرة ؟ قال : لا ، فقال : يا عدو اللّه أنت الخائن ! قال : أقلني أقالك اللّه ! فأمر بحفظه حتى جاء خصمه فقال له : خذه بحقك فقد أقر .
قال : واستودع رجل رجلا كيسا فيه دنانير فغاب وطالت غيبته فشق المستودع الكيس من أسفله وأخذ الدنانير وجعل مكانها دراهم وخيطه والخاتم على حاله ، فجاء الرجل بعد ست عشرة سنة فقال : مالي . وطالب به ، فأعطاه الكيس بخاتمه ، فنظر إليه وإذا ماله دراهم ، فأحضره مجلس إياس ، فقال إياس للطالب : ما ذا تقول ؟ قال : أعطيته كيسا فيه دنانير ، فقال :
مذ كم ؟ قال : منذ ست عشرة سنة ، قال : فضا الخاتم ، ففضاه ، فقال : انثرا ما فيه ، فنثراه ، فإذا هي دراهم بعضها من ضرب عشر سنين وأكثر وأقل ، فأقر بالدنانير وألزمه إياها حتى خرج منها .
قال : وأودع رجل رجلا من أمناء إياس مالا وحج ، فما رجع طالبه فجحده ، فأتى إياسا فأخبره ، فقال : أتعلم أنك أخبرت غيري بذلك ؟ قال : لا ، قال : فهل علم أنك أعلمتني ؟ قال :
لا ، قال : أفنازعته بحضرة أحد ؟ قال : لا ، قال : فانصرف واكتم أمرك ثم عد إلي ، ودعا إياس أمينه ذلك فقال : قد حضر مال كثير وقد رأيت أن أودعك إياه وأصيره عندك فارتد له موضعا وائتني بمن يحمله معك . فمضى الأمين ، وعاد الرجل إلى إياس فقال له : انطلق إلى صاحبك فطالبه بمالك فإن أعطاك وإلا فقل إنك تعلمني ، فأتاه فقال له : أعطني مالي وإلا أتيت القاضي فأعلمته ، فدفع إليه ماله ، وصار إلى إياس فقال : قد رد مالي عليّ ، وجاء الأمين إلى إياس لموعده فانتهره وقال : اخرج عني يا خائن .
قال : وأراد معاوية أن يوجه ابنه يزيد إلى غزو الصائفة وكره يزيد ذلك وأنشأ يقول :
تجنّى لا تزال تعدّ ذنبا * لتقطع وصل حبلك عن حبالي
فيوشك أن يريحك من أذاتي * نزولي في المهالك وارتحالي
وخرج وخرج الناس معه ، وفيمن خرج أبو أيوب الأنصاري ، فلما قرب من قسطنطينية اشتكى أبو أيوب فأتاه يزيد عائدا ، فقال له : ما حاجتك ؟ قال : أما دنياكم فلا حاجة لي فيها ولكن سمعت رسول للّه صلى اللّه عليه وسلم ، يقول : « يدفن بجنب قسطنطينية رجل صالح » وقد رجوت أن أكونه فقدمني ما قدرت عليه ، فمات فلما فرغ من جهازه ووضع على سريره قدم الكتائب بين يديه ، فنظر قيصر ورأى أمرا عجيبا وشيئا يحمل والناس بالسلاح تحته ، فأرسل إليه : ما هذا الذي نرى ؟ قال يزيد : هذا صاحب نبينا صلى اللّه عليه وسلم ، أوصى أن ندفنه إلى جنب مدينتكم ونحن ننفذ وصيته أو نموت دونه ، فأرسل إليه : العجب من الناس ! وما يذكرونه من دهاء أبيك وهو يبعثك