اخرج إلي أسائلك ، فعرفه الغلام ، فقال : إني أخاف ، أفآمن أنا إن خرجت حتى ألبس ثيابي ؟
قال : نعم ، فخرج وقال : واللّه لا ألبسها اليوم ، فضحك شبيب وقال : خدعني ورب الكعبة ! ووكل به رجلا من أصحابه يحفظه ألا يصيبه أحد من أصحابه بمكروه .
قال : وكان رجل من الخوارج قال في قصيدة له :
ومنّا يزيد والبطين وقعنب * ومنّا أمير المؤمنين شبيب
فسار البيت حتى سمعه عبد الملك بن مروان فأمر بطلب قائله ، فأتي به ، فلما وقف بين يديه قال : أنت القائل : ومنا أمير المؤمنين شبيب ؟ قال : لم أقل هكذا يا أمير المؤمنين ، قال :
فكيف قلت ؟ قال : قلت ومنا أمير المؤمنين شبيب ، فضحك عبد الملك وأمر بتخلية سبيله ، فتخلص بحيلته وفطنته لإزالة الإعراب عن الرفع إلى النصب .
وزعموا أن عمرو بن معدي الزبيدي هجم في بعض غاراته على شابة جميلة منفرة فأخذها ، فلما أمعن بها بكت ، فقال : ما يبكيك ؟ قالت : أبكي لفراق بنات عمي ، كن مثلي في الجمال وأفضل مني ، خرجت معهن فانقطعنا عن الحي ، قال وأين هن ؟ قالت : خلف ذلك الجبل ووددت إذ أخذتني أخذتهن ، فأخذ إلى الموضع الذي وصفته فما شعر بشيء حتى هجم على فارس شاك في السلاح فعرض عليه المصارعة فصرعه الفارس ثم عرض عليه ضروبا من المناوشة فغلبه الفارس في كلها ، فسأله عمرو عن اسمه فإذا هو ربيعة بن مكدّم ، فاستنقذ الجارية منه .
وعن عطاء أن مخارق بن عفان ومعن بن زائدة لقيا رجلا ببلاد الشرك ومعه جارية لم يريا مثلها شبابا وجمالا فصاحا بها ليخلّي عنها ، ومعه قوس فرمى وهابا الإقدام عليه ، ثم عاد ليرمي فانقطع وتره وسلم الجارية وأسند في جبل كان قريبا منه ، فابتدر الجارية وفي أذنها قرط فيه درة فانتزعه بعضهما من أذنها ، فقالت : وما قدر هذا ؟ لو رأيتما درتين معه في قلنسوته ، وفي القلنسوة وتر قد أعده فنسيه من الدّهش ! فلما سمع قول المرأة ذكر الوتر فأخرجه وعقده في قوسه ، فوليا ليست لهما همة إلا النجاء وخليا عن الجارية .
قيل : واستودع رجل رجلا مالا ثم طلبه به فجحده ، فخاصمه إلى إياس « 1 » بن معاوية القاضي وقال : دفعت إليه مالا في مكان كذا وكذا ، قال : فأي شيء كان في ذلك الموضع ؟
قال : شجرة ، قال : فانطلق إلى ذلك الموضع وانظر إلى تلك الشجرة فلعل اللّه أن يوضح لك هناك ما تبين به حقك أو لعلك دفنت مالك عند الشجرة فنسيت فتذكر إذا رأيت الشجرة ،
هامش
( 1 ) إياس بن معاوية قاضي البصرة وأحد أعاجيب الدهر في الفطنة والذكاء .