ثالثها أنه بمعنى صعد ، قاله أبو عبيد ورد بأنه تعالى منزه عن الصعود أيضا .
رابعها أن التقدير الرحمن علا أي ارتفع ، من العلو والعرش له استوى . حكاه إسماعيل الضرير في تفسيره . ورد بوجهين : أحدهما أنه جعل « على » فعلا وهي حرف هنا باتفاق ، فلو كانت فعلا لكتبت بالألف كقوله
عَلا فِي الْأَرْضِ
« 1 » والآخر أنه رفع « العرش » ولم يرفعه أحد من القراء .
خامسها أن الكلام تم عند قوله
الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ
ثم ابتدأ بقوله
اسْتَوى لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ
وردّ بأنه يزيل الآية عن نظمها ومرادها . قلت ولا يتأتى له في قوله
ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ *
سادسها أن معنى استوى أقبل على خلق العرش وعمد إلى خلقه ، كقوله
ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ وَهِيَ دُخانٌ
« 2 » أي قصد وعمد إلى خلقها . قاله الفراء والأشعري وجماعة أهل المعاني وقال إسماعيل الضرير إنه الصواب . قلت يبعده تعديته بعلى ، ولو كان كما ذكروه لتعدى بإلى كما في قوله
ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ *
سابعها قال ابن اللبان الاستواء المنسوب إليه تعالى بمعنى اعتدل أي قام بالعدل ، كقوله تعالى
قائِماً بِالْقِسْطِ
« 3 » والعدل هو استواؤه ويرجع معناه إلى أنه أعطى بعزته كل شيء خلقه موزونا بحكمته البالغة .
ومن ذلك النفس في قوله تعالى
تَعْلَمُ ما فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ ما فِي نَفْسِكَ
« 4 » ووجّه بأنه خرج على سبيل المشاكلة مرادا به الغيب ، لأنه مستتر كالنفس .
وقوله
وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ *
« 5 » أي عقوبته ، وقيل إياه .
وقال السهيلي النفس عبارة عن حقيقة الوجود دون معنى زائد ، وقد استعمل من لفظة النفاسة والشيء النفيس ، فصلحت للتعبير عنه سبحانه وتعالى .
وقال ابن اللبان أولها العلماء بتأويلات : منها أن النفس عبر بها عن الذات ، قال وهذا وإن كان سائغا في اللغة ولكن تعدي الفعل إليها بفي المفيدة للظرفية محال عليه تعالى .
هامش
( 1 ) . القصص / 4 .
( 2 ) . فصلت / 11 .
( 3 ) . آل عمران / 18 .
( 4 ) . المائدة / 116 .
( 5 ) . آل عمران / 28 .