لقد أحدث القرآن انقلابا فكريا وحضاريا عميقا وشاملا في حياة البشرية ، وقاد الإنسان في طريق العقل والعلم والأخلاق ، فحقق بذلك انسانية الإنسان ، وعلّمه كيف يفكّر تفكيرا علميا ، وكيف يحيى إنسانا أخلاقيا .
وهذا الوحي الإلهي الذي حوى بين جنبيه كنوز العلم ، وآفاق المعرفة ، قد جاء خطابا بلغة الإنسان ، وكانت بيئة الخطاب ، ولسان النبي المخاطب ، هي العربية ، وهي أرقى ما عرف الإنسان من لغات التعبير ، فكان النص الإلهي بصياغته العربية المعجزة موضع اهتمام المسلمين ، حفظا وقراءة وتفسيرا ، منذ عهد النبوة وجيل الصحابة والتابعين ، وحتى يومنا الحاضر ، وسيمتد ويتصاعد هذا الاهتمام كلما تقدم الإنسان في فتوحات العلم ، واستنار عقله ووعيه .
لقد حفظ اللّه سبحانه هذا القرآن من التحريف والتزييف ، وتعهد بذلك بقوله سبحانه :
إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ
لقد آمن المسلمون أن القرآن هو مصدر الفكر والاحكام والتشريع ، فمنه يستوحي الانسان أصول العقيدة ، وتستنبط أحكام الشريعة ، ومفاهيم الحضارة ، ومنهاج الحياة ، ومعايير السلوك والأخلاق .
وعلى امتداد آفاق الاتجاهات الفكرية والمنهجية ، امتد التعامل مع القرآن ، والاستدلال به بشكل أفرز مناهج ومذاهب متعددة ومتباينة للتعامل مع القرآن وفهم دلالته ، ومن هنا حدثت المشكلة الفكرية الكبرى بين المسلمين مشكلة فهم القرآن ، والاستنباط منه ، وتحديد