وتلك عنه سبحانه منفية ( والآخر ) انها لو كانت لام الإرادة لوجب أن يكون الكفار مطيعين للّه تعالى ، من حيث فعلوا ما وافق إرادته ، وذلك خلاف الإجماع . وقد قال عزّ اسمه :
وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ
وَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ
وَما أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ
والقرآن يصدّق بعضه بعضا ، وعلى هذا فلا بد من تخصيص الآية فيمن علم منه أنه لا يؤمن ، لأنه لو كان فيهم من يؤمن لما توّجه إليهم هذا الوعيد المخصوص ، وقال أبو القاسم البلخي معناه ولا يحسبنّ الذين كفروا ان إملاءنا لهم رضا بأفعالهم ، وقبول لها ، بل هو شرّ لهم ، لأنّا نملي لهم ، وهم يزدادون إثما يستحقون به العذاب الأليم ، ومثله : ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن والانس ، أي : ذرأنا كثيرا من الخلق سيصيرون إلى جهنم بسوء أفعالهم ، وقد يقول الرجل لغيره ، وقد نصحه فلم يقبل نصحه : ما زادك نصحي إلّا شرا ووعظي إلّا فسادا ، ونظيره قوله :
حَتَّى أَنْسَوْكُمْ ذِكْرِي
ومعلوم أن الرسل ما أنسوهم ذكر اللّه على الحقيقة ، وما بعثوا إلّا للتذكير والتنبيه دون الانساء مع أن الإنساء ليس من فعلهم ، فلا يجوز اضافته إليهم ، ولكنه إنما أضيف إليهم ؛ لأن دعاءه إياهم لمّا كان لا ينجع فيهم ، ولا يردّهم عن معاصيهم ، فأضيف الانساء إليهم ، وفي هذا المعنى قوله حكاية عن نوح :
فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعائِي إِلَّا فِراراً
.
وروي عن أبي الحسن الأخفش والإسكافي ( انّما ) الأخيرة مفتوحة